تبدو الخلافات الروسية مع حلف شمال الأطلسي أبعد من مخاوف وهواجس قديمة، فها هي روسيا تقف بــ«المرصاد» للحلف في ليبيا، وتناطح دوله في الملف السوري، وتعرقل أي خطوة سلبية في مجلس الأمن الدولي، وترفع الصوت عالياً في وجه نظام الدفاع الصاروخي الذي يعتزم الحلف نشره في دوله في الشطر الشرقي من أوروبا.
ما تسرّب من اللقاء الأخير بين قيادة الحلف والقيادة الروسية على الأرض الروسية انحصر في إطار «النصيحة»، ولكن الأمر يحمل في دلالاته ما هو أبعد من النصيحة، بل هو تناطح لحجز موقع في العالم الجديد.
المخاوف الروسية، التي تتنافى مع توجه الجهتين نحو تحقيق نوع ما من الشراكة، تنبئ بعودة أجواء الحرب الباردة التي تفجّرت بين الحلفاء في ضوء إعادة تشكيل عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، وهاهو العالم يعاد تشكيله الآن، وإحدى المناطق التي يدور حولها تعزيز النفوذ هي العالم العربي، الذي تعيش بعض دوله مخاض تغيير واسع، ترى الدول الكبرى أن وضع بصمتها على التشكيل الجديد ضرورة تصب في خانة الأمن القومي، ولذا تتكاثر غيوم الخلاف بين روسيا والأطلسي، بعدما بات يلعب الحلف في مناطق كانت روسيا حليفاً قوياً لها، ولهذا تبدو العملية العسكرية في ليبيا عقيمة، والضغط السياسي ضد سوريا مرتبكاً ومتعثراً.
الجانبان يعترفان بوجود عقبات، لكنهما يعلّقان الحرب الباردة المستجدة بينهما على مفاوضات الدفاع الصاروخي، لكن الخلاف أعمق وأشد، فها هو الخطاب الرسمي الروسي يستخدم لغة التهديد بكل وضوح، فسفير روسيا لدى الحلف حذر من أنه في حال قرر الحلف المضي بالخطة بصيغتها الحالية دون التشاور فستكون لذلك عواقب وخيمة.
إن مهمة تطبيع علاقات الشراكة بين الطرفين ليست بالسهلة، ولكن الأكيد أن الشراكة أفضل للعالم من حال الصراع. وحتى الآن يبدو الملف الليبي هو ساحة الشد والجذب في ضوء الاستياء الواضح من جانب الاتحاد الروسي؛ الذي يرى أن أفعال حلف شمال الأطلسي في ليبيا خرجت عن إطار قراري مجلس الأمن الدولي 1970 و1973، وهو ما يعني أن معاناة الليبيين الإنسانية ماضية بلا أفق لحل قريب.