تثير التقارير التي كشفت عن أمر العقيد معمر القذافي لكبار جنرالاته بقصف شعب مدينة مصراتة وتجويعه الخوف من الطرق التي يتعامل بها القادة والمسؤولون مع الشعوب.
من أولى أولويات الحكومات السهر على راحة الشعوب وتيسير أمورهم وتوفير سبل العيش الكريم لهم، وتوفير المناخ المناسب للعطاء والبناء والإنتاج.. لا توجيه فوهات المدافع إلى بيوتهم، وإلى صدورهم، وأمر الجنرالات بدك البيوت، وتجويع الأهالي، والحرمان من التطبيب، ومنع وصول لوازم الحياة.
ففي مقدمة أبجديات أي فلسفة للعمل الحكومي حماية النظام والعدالة، وحماية الأرواح، لكن، للأسف، بعض الحكومات العربية وصلت حداً من الغلو بات معه الشعب في آخر قائمة الاهتمامات.
الوثائق التي كشفت تشكل أدلة قاطعة على ارتكاب جرائم حرب، فكيف يمكن أن يحكم التاريخ على من يأمر قواته بـ «طمس مصراتة وتحويل البحر الأزرق إلى بحر أحمر بدماء سكان المدينة»؟.
مصراتة مجرد عنوان من بين عناوين كثيرة، وحكاية من بين حكايات، وألم من بين آلام عديدة، باتت تتزاحم بها شاشات الفضائيات، وسطور الصحف.. وهي ستبقى وخزاً في الضمير العربي.
المشكلة في النظام الليبي هي رفض الاعتراف بالحقيقة، ومواجهة أي مشكلة بسياسة الإقصاء، دون بذل جهد، ولو في الحد الأدنى، للوصول إلى تقريب لوجهات النظر. كما أن القذافي يستسهل القضاء على الآخر، حتى لو تطلّب الأمر القضاء على الحياة في بلدة ما، وهو ما تعكسه الوثائق التي عثر عليها في هذه المدينة الليبية التي عانت الويلات طوال الشهور الأربعة الماضية .. وتكاد تصبح أثراً بعد عين.
وانتفاضة الشعب الليبي ليست إلا وليدة قمع وتضييق، وعليه فالتعامل الأمني معها ليس الحل لأنه في الأساس المشكلة.. فكيف إذا كان في الأمر تجويع وقصف؟.. الأمر عندها يصبح عصياً على الحل نظراً لحالة الحقد ورغبة الانتقام التي ستتفشى، وبالتالي ستنعكس عنفاً مضاداً، ودوامة من الاقتتال بلا نهاية.