يتيح استدعاءُ ذكرى الاحتلال الثاني لفلسطين، في مثل هذا اليوم عام 1967، استعراض ما أَلمَّ بالعرب في العقود التي تلت تلك الواقعة المهولة، والتي اشتُهرت بوصفِها «النكسة»، فنجد أَنَّ نكساتٍ غيرَ قليلةٍ أَصابت الحال العربي، سيَّما في تآكلِ المناعةِ العربيةِ أَمام التدخلات والتأثيرات الأَجنبية، وفي ضعفِ تماسك الرؤيةِ العربيةِ الشاملة التي كان ينبغي دائماً أَنْ تكونَ واحدةً وموحدة، إِذ غالباً ما صار مفهوم العمل العربي المشترك فولكلورياً، والتضامن العربي حلماً قليلاً ما تحقَّقَ في غير ملمَّةٍ ونائبة.
ولا يُشارُ إلى هذا الأَمر، هنا، بنوعٍ من جلدِ الذات وتأْنيبِها، لا سمح الله، بل من بابِ الدعوةِ إلى الوقوفِ على مسارِ هذه التجربة ووقائعِها، للاستفادةِ مما هو مضيءٌ فيها، وهو غير قليل والحمد لله، ولتجاوز كل ما هو نافرٌ وبائسٌ وتعيس، وهو للأَسف غير قليل.
كانت النكسةُ، قبل 44 عاماً، حدثاً مفصلياً في التاريخ العربي المعاصر، وانعطافةً بالعربِ من حالٍ إلى حال. وإِذ نطلُّ على ذلك الحدث اليوم بعيونٍ أَطلَّت طويلاً على تحولاتٍ عميقةٍ عرفتها المجتمعاتُ العربية، فذلك يعني أَن آثار تلك الواقعة ما زالت غيرَ هيِّنةٍ في وجدانِنا الموحد، وأَنَّ فلسطينَ باقيةٌ في نفوسِنا جميعاً، نحنُ العرب من المنامة إلى مراكش، وأَنَّ الأُمة العربية، وإِن أَصابَها ما أَصابَها طوال هذه السنوات، فإِنَّ ارتباطها قومياً ووطنياً وعاطفياً بفلسطين، قضيةَ شعبٍ وأَرض، على متانتِه والحمد لله.
وإِذْ يعرفُ العالم العربي منذ مطالعِ هذا العام إِيقاعاً يأْخذُه إلى تغيراتٍ، محمودةٍ بإِذن الله، فذلك يُبشِّرُ بمزيدٍ من تجذُّرِ قضيةِ فلسطين في صميمِ الهمِّ العربي، ويحيلُ إلى القناعةِ إِياها، وهي أَنَّ كلَّ نهوضٍ عربيٍ في التنميةِ والتحديثِ والإِصلاح السياسي، يعد تعزيزاً مؤكداً في سعي الفلسطينيين، بإِسنادِ كل أَشقائهم العرب نحو الاستقلال والتحرر، ونحو بناءِ دولتهم في أَرضهم.
نكساتٌ كثيرةٌ توالت بعد حربِ 5 يونيو/ حزيران، كانت منها حروبٌ أَهليةٌ وتوترات سياسية في غير بلد عربي، وارتجاجاتٌ إِقليميةٌ لا عدَّ لها، وكانت حصيلةُ هذه كلها، وأُخرى غيرها، سلبيةً في مسار العربِ نحو تجاوزِ آثار النكسةِ. وبالتوازي، ثمَّة نجاحات مؤكدة، تنمويةٌ واقتصاديةٌ وتعليميةٌ وعمرانيةٌ، تُيسر ذكرى ما جرى في مثل هذا اليوم استدعاءَ هذه وتلك، ببعض الأَسى ربما.