حدثَ في مثل هذا اليوم، قبل 44 عاماً، أَنَّ ما قبله ليس ما صار بعده، وأَننا، نحنُ العرب، صرنا نشتهي العودةَ إِلى ما كنّا عليه في أَثنائه. إِنها ذكرى الحربِ الإِسرائيليةِ العدوانيةِ التي انتهت بعد ستةِ أَيام باحتلال ما كان قد تبقّى من فلسطين، بعد نكبتها في 1948، وسيناء المصرية وهضبة الجولان السورية.
وإِذ تعدَّدت بعد تلك الواقعة المهولة في التاريخ العربي الحديث مبادراتٌ ومفاوضاتٌ مع إِسرائيل لا حصرَ لها، ظلَّ فيها المبتغى الفلسطيني، ومعه العربي، أَنْ ينزاحَ الاحتلال إِلى خطوط ذلك اليوم، أَي الرابع من حزيران. والبادي أَنَّ هذه الخطوط الحدودية صارت مرتجَّةً في المنظور الإِسرائيلي، وبإِسنادٍ أَميركي لم تعد واشنطن تجد حرجاً في إِشهارِه، والخطابان الجديدان لرئيس وزراء إِسرائيل بنيامين نتانياهو والرئيس الأَميركي باراك أوباما التقيا عند تحريك هذه الخطوط، بزعم أَنَّ تبادلاً للأَراضي ينبغي أَنْ يحدُث، ويأْخذ في الاعتبار متغيراتِ العقود الأَربعة الماضية. ولم يكن ممكناً للجانب الفلسطيني أَنْ يقبلَ هذا التمييع الذي يطيح بقرارٍ واضحٍ من مجلس الأَمن الدولي، نصَّ صراحةً على انسحاب إِسرائيل الكامل من الأَراضي التي احتلتها في حربٍ نشبت في ذلك اليوم المشؤوم.
نستدعي إِلى اللحظة الراهنة وقائعَ ذلك العدوان الذي اكتمل بنكسةٍ شهيرةٍ، ما زالت آثارُها عميقةً في الراهن العربي، ونحنُ في حالٍ أَكثر استضعافاً أَمام الصلف الإِسرائيلي مما كنا عليه غداة تلك الجائحة. ارتضى العربُ السلام خياراً استراتيجياً، وطرحوا مبادرةً اتفقوا عليها لا تمانعُ في إِقامةِ علاقاتٍ طبيعيةٍ مع إِسرائيل، مقابل أَنْ تخرجَ الأَخيرةُ من الأَراضي الفلسطينية والسورية التي احتلتها إِبان نكسَتنا الشهيرة. وارتضى بعضُ العرب إِقامة سلامٍ وعلاقاتٍ وصلاتٍ مع إِسرائيل.
إِلا أَنَّ الأَخيرة ظلت على تعنُّتِها وعدوانيتِها واستخفافِها بالحقوق العربية المشروعة، وفي مقدمتها حق الشعب الفلسطيني في إِقامة دولته المستقلة على أَراضيه المحتلة في 1967 وعودة اللاجئين إِلى ديارهم. وفيما ذهب الفلسطينيون طويلاً إِلى التفاوض مع المحتل، من أَجل انتزاع حقوقهم، فإِنهم عانوا، وما يزالون، من تفلت إِسرائيل من الالتزام بالمؤَدّى النهائيِّ لهذا التفاوض، وهو الانسحابُ إِلى خطوط 4 حزيران 67. نستعيدُ هذا الأرشيف، أو بعضه على الأصح، هنا، ونحن في الأسى إياه، في ذكرى ذلك اليوم العصيِّ على النسيان.