أَيامٌ، وتعلن دولةُ جنوب السودان التي ولدت بموجبِ استفتاءِ حق تقرير المصير للمنتسبين إِليها، وقوبلت نتيجةُ تصويتِهم بالانفصال في دولةٍ مستقلةٍ باحترامٍ لخيارهم، أَبداه أَهل السودان جميعاً. وفيما المنتظر أَن نشهد حواراً بين الدولتين في الشمال والجنوب، يُنظِّم علاقةً خاصةً بينهما، قوامُها تبادل المصالح والمنافع، واحترامُ الخصوصيات.
وفيما المأْمولُ أَنْ يتوصل الجانبان إلى أرقى أشكال علاقات التعاون والجوار، يخوضُ جيشاهما مواجهاتٍ دامية، وتتأزَّم قضية تابعية منطقة أَبيي التي لم تُحسم، ولم تتمكن جولات حوار تفاوض سابقة من حلها. وتخرج القضية الآن من إِطارها الثنائي إلى مربع التدويل، فيبحث فيها مجلس الأمن، وتطلق حوله الولايات المتحدة وفرنسا وغيرهما تصريحاتٍ ضاغطةٍ على الخرطوم من أَجل سحب قواتها العسكرية التي سيطرت على المنطقة.
كان طيباً من القاهرة أَنها عرضت التوسط بين جانبي التنازع في المسأَلة، وأَنها دعتهما إِلى ضبط النفس، وهو موقفٌ يحسنُ الدفع به عربياً من أَجل أَن لا يدخل السودان في دوامةِ تأَزم جديد، فيصبح عرضةَ تأثيراتٍ أَجنبية وضغوطٍ تستنزفُه في صراعاتٍ مع أَطرافٍ دوليةٍ غير قليلة.
ونظن أَنَّ هذا البلد في غنىً عن ذلك كله، وهو الذي يتطلع أَهله إِلى أَنْ يتعافى بلدُهم، ويقلع باتجاه نهوض تنموي وإِصلاح سياسي، ليصبح السودان قادراً على أَنْ يكون فعالاً في محيطه العربي والإِفريقي.
. ونحسبُ أَن تغليب الحكمة مع الأَخذ بخيار التحكيم المنزه عن أَيِّ غرضٍ هما ما قد يساعدان على تجاوز هذا الاختبار، سيما وأَن السودان مثقلٌ بالأَزمة الأَمنية والإِنسانية في إِقليم دارفور، والتي على الرغم من جولات التفاوض الكثيرة مع أَطرافها العديدين، لم تشهد النهايات المأمولة والمشتهاة.
ندعو للسودان وللدولة المستجدة في جنوبه بكل الخير، ونتمنى لهما جواراً طيباً دائماً، وعلاقاتٍ مُثلى تعود على شعبيهما بما ينفعْهما، وبما يُحقِّق أَفضل تعاونٍ تكاملي على غير صعيد.
. ونظن أَنَّ أُولى خطوات الوصول إِلى هذا الذي نتمناه لهما في أَنْ تتوفر لدى أَهل الحكم وصنّاع القرار في الشمال والجنوب الإِرادة الجادة، باتجاه إِيجاد حلٍّ مرضٍ ودائمٍ لأزمة أبيي التي طالت، فلا تكون مدخلاً لتوترات ومواجهاتٍ يروح فيها الأَبرياء قتلى وجرحى ومشردين. وهذه دعوةٌ نجهر بها من باب الحرص على كل السودان، في الشمال وجواره الجنوبي.