من يتابع الشأن العراقي منذ سقوط النظام السابق في بغداد عام 2003، يقف أمام مشهد من الإجحاف بمكان أن ينظر إليه بسطحية أو بنظرة أحادية، حيث تتقاطع في هذا المشهد التداخلات الخارجية بتراكمات الصراع بين حلفاء الأمس من مكونات المعارضة العراقية السابقة التي بلغت سدة الحكم في الوقت الحالي.

 

وحين ننظر إلى تاريخ الأحزاب العراقية المتواجدة على الساحة، فإننا نرى واقعاً مغايراً لما تمتلكه من رصيد سياسي وثراء فكري، ورغم ذلك فإن بعض هذه الأحزاب الحديثة تشكل الغالبية العظمى منها على أنقاض ائتلافات وأيديولوجيات سابقة، بينما راح القديم منها يصارع في شتى الاتجاهات والتحالفات لتحقيق غايات فئوية أو سياسية أو غير ذلك، تاركين الإنسان العراقي يتخبط بين مراراته وعذاباته التي لا يبدو من أفق قريب لنهايتها.

 

ما يدور في الساحة العراقية هذه الأيام أمر في غاية الخطورة، حيث التجاذبات والجدل العقيم بين مختلف التيارات والأحزاب السياسية على أشده، وكأن حالة المنطقة الوسطى لعلاج الإشكاليات والخلافات اختفت من قاموس الساسة العراقيين، رغم أن بلادهم مقبلة على مرحلة هي الأهم للشعب الذي تحمل الكثير، من خروج القوات الأميركية ومغادرة آخر جندي الأرض العراقية، ومع ذلك نجد أن بعض الساسة ما زالوا يرمون بهذه القضية المصيرية صوب بعضهم بعضاً، وينسون أو يتناسون بأن الجو الديمقراطي الذي تحقق بعد سقوط النظام السابق، لا يتيح لهم أن يتقاعسوا عن واجباتهم،.

 

بحيث يتخلى كل واحد منهم عن مسؤوليته بقرار تمديد بقاء القوات الأجنبية من عدمه، فرئيس الحكومة العراقية نوري المالكي ألقى بذلك تجاه البرلمان، وفئات كثيرة من البرلمان ــ ممن يعقدون السهل ويسطحون المعقد ــ أعادوا الكرة إلى المالكي بحجة أن الأمر راجع إليه باعتباره قائداً عاماً للقوات المسلحة العراقية، .

 

وطلعت بعض القيادات السياسية والدينية التي لطالما عرفت بتهييجها لفئات كثيرة من الشارع العراقي البسيط ــ لا المركب ــ لتلقي الكرة صوب الشعب العراقي، إلا أن واقع الأمور يقول إن تمديد بقاء جزء من القوات الأميركية سيكون أمر مفروغ منه إن استمر هذا الجدل العقيم.