لا يختلف اثنان على ضرورة دعم كافة الجهود التي من شأنها المضي قدما في حق تقرير مصير الشعب الفلسطيني، وتقرير الأمم المتحدة الذي صدر أمس ويشير إلى أن السلطة الفلسطينية جاهزة لتولي حكم دولة، وإن جاء متأخرا، فإنه تأكيد جديد على هذه الحقيقة، وبمثابة رصاصة جديدة توجه إلى المساعي والمكائد الإسرائيلية المتكررة لوأد مشروع الدولة الفلسطينية.
كما أن التقرير، وإن لم يشرح ما يمكن أن تقدمه المنظمة الدولية إلى هذه الوليدة التي تصارع كي ترى النور وتتنفّس الحياة في سبتمبر كما أراد أولياؤها، يؤكد من جديد على حق الشعب الفلسطيني في الشروع في إقامة تلك الدولة ومؤسساتها والاعتراف بها دوليا باعتبارها دولة كاملة السيادة تنال كافة الاستحقاقات المترتبة على ذلك الاعتراف والعمل بمقتضاه. إن خيار بناء الدولة الفلسطينية يتطلب خطوات عدة نحو تحقيق هذا الهدف الذي كان ولا يزال حلما يسعى الجميع صوبه. وأول تلك الخطوات التواصل الجغرافي العربي الذي يوحد الجهود صوب ذاك الهدف، ويمتد إلى تواصل جغرافي عالمي ليستوعب كافة الجهود الدولية الرامية إلى إقامة الدولة الفلسطينية المنشودة.
يلي هذه الخطوة، ولا يقل عنها، موضوع المصالحة الفلسطينية ورأب الصدع داخل البيت الفلسطيني وتنحية الخلافات الفلسطينية الداخلية جانباً، والنظر بعين الاعتبار إلى المصلحة العليا للفلسطينيين دون تحفظ مسبق على فصيل أو آخر، وإنما التفاف حول قيادة تسعى لأخذ زمام المبادرة نحو اللحمة الفلسطينية، والوقوف على أرض صلبة يمكن من خلالها الانطلاق نحو آفاق رحبة من العمل الجاد والوقوف في وجه الغطرسة الإسرائيلية بكافة أشكالها وألوانها صفا واحدا كالبنيان المرصوص.
ولا يتسنى تحقيق خيار بناء الدولة الفلسطينية دون زوال للاحتلال وأركانه الذي قام على العدوان والبطش وسلب الحريات وانتزاع الحقوق من أصحابها، فضلا عن تهويد للمقدسات واستباحة كل غال ونفيس وعدم الاكتراث بمعاهدات أو اتفاقات وإنما «ضرب عرض الحائط بها» والالتفاف عليها وتجييش «الفيتو» الأميركي في أي وقت وفي أي ظروف للحيلولة دون حتى مجرد إدانة أو شجب لتصرفات عنصرية إسرائيلية تنغص على الفلسطينيين حياتهم بشكل يومي. وقريب من ذلك، يلزم خيار بناء الدولة دعم دولي يشمل الاعتراف بدولة فلسطينية حتى وإن أبت إسرائيل ذلك، والتصدي لمحاولاتها الدائمة من التنصل بكافة القرارات الدولية والمعاهدات المبرمة في هذا الشأن، واستصدار قرارات عاجلة تدعم حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته وفق سيادة كاملة على ترابه وبناء مؤسسات قادرة على إدارة دفة الأمور بعيدا عن سطوة الاحتلال وجبروته.