لم يتفق العلماء على تعريف الجمال، لأن مفهومه معقّد جداً فلا يحدّه حد، ولم ينحصر في شيء ولا أحد، وهذا المفهوم واضح في قول كثيّر عزة:
لو يسمعُون كما سمعتُ كلامَها
خرّوا لِعزَّةَ رُكّعاً وسجودا
إذاً فالجمال جاذبية أو صفة تمنح الكائنات أو الأشياء أو الأفكار جاذبية، وتثير في النفوس الإعجاب والسرور.
يقول جبران خليل جبران: أيها الجمال اكتشف نفسك في الحبّ، كل شيء جميل لا يموت، بل ينتقل جماله إلى شيء آخر.
أقول وهذا الأخير يطابق المعنى الذي قصده الشاعر العربي عندما قال:
وعين الرّضا عن كل عيب كليلة
ولكنّ عينَ السُّخط تُبدي المساويا
فالعين هي بمثابة القاضي الذي يصدر حكمه بقبول الشيء أو رفضه، لذا فإن الجميل في نظري ليس بالضرورة أن يكون جميلاً في عيون الآخرين، ويقال عن القبيح كذلك.
ذلك أن القناعة تبعث الرضا، فإذا قنعت بالشيء رضيت به، وإذا رضيت حسن ذلك في عينك، وإذا استحسنته عينك أوقعت حب ذلك الشيء في قلبك.
وبالمناسبة لا أحد أحبَّ معشوقته وتغزّل فيها مثل ما أحبّ وتغزّل قيس في معشوقته، أتظن أنها كانت أجمل بنات العرب؟ كلا، وقد ورد في كتب الأدب أن ليلى لم تكن جميلة، بل كان جمالها أقل من المطلوب، لكن الحب أعمى كما قيل، والقلب إذا أحبّ نظر إلى أشياء في المحبوب غير ظاهرة لعموم الناس، لذلك قال مجنون ليلى:
إذا ما بدَت ليلى فكلّي أعينٌ
وإنْ هي ناجتني فكلّي مسامعُ
هل تعتقد أن المحبوب خال من العيوب؟ كلا، لكنه لما نظر إليه بعين الرضا أحبّ فيه حتى عيوبه، على حدّ قول المثل: حبك للشيء يعمي ويصمّ.
خلاصة القول في الجمال أنه قيمةٌ أخلاقية قبل أن يكون ظاهرة شكلية، فالشكل الخارجي قد يكون خدّاعاً لأنه يقبل التصنع، فالمكياج يغير الكثير من الشكل الخارجي.
أما جمال الخُلُق فهو طبع في النفس قبل أن يكون تطبعاً، ومن أجل هذا فإن الفيلسوف الاسكتلندي (دافيد هيوم) وصف الجمال بأنه في أساسه تجربة شخصية وخاصة، فلا وجود له إلا في عين وذهن الرائي.
ويعني بذلك أن تعريف الجمال يختلف من شخص إلى شخص طالما أن مصدر الحكم هو عين الرائي.
والحديث النبوي يؤكد هذا عندما قال: «تُنكح المرأة لأربع: لمالها وجمالها وحسبها ودينها، فاظفر بذات الدين» حديث صحيح، ولماذا الدين؟ لأنه مَجمع المحاسن.