لا يزال الحديث جارياً عن حادثة شارلي إبدو، في مختلف وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، وعلى الرغم من أنها ليست الأولى من نوعها، إلا أنها اكتسبت اهتماماً بالغاً، حيث يخوض فيها السياسيون والمثقفون وعموم الناس، لتُظهر الأفهام المختلفة مدى تركيب المسألة.

الحرية، متكأ أساسي يرتكز عليه الحوار الدائر حول الحادثة، إلا أن الخلاف على ما يبدو هو في تفسير معناها، فبينما يرى البعض أن حرية التعبير تحديداً لا تجيز إهانة المعتقدات أياً كانت ولا السخرية منها، يرى البعض أنها مفهوم يتعالى عن هذه الحيثية، وفي مصاف أنصار الرأي الأول يأتي ما قاله البابا فرنسيس، الذي أكد أنه في حال تحدث أحد أصدقائه بالإساءة عن والدته فليتوقع منه لكمة، مضيفاً أنه أمر طبيعي.

قارب رأي البابا آراء عدة في العالم العربي والإسلامي، وإن اختلف الرأي مجدداً حول طريقة الرد الأمثل، وتراوح بين عدم الالتفات للمسألة وتهميشها، أو الدعوة لسن قوانين غربية لتجريمها، أو ما اتخذ شكل مسيرات احتجاجية غاضبة، مثل التي خرجت في الأردن وفلسطين وباكستان والجزائر وغيرها إثر إعادة الصحيفة نشر الرسوم ذاتها.

ترتبط القضية بالثقافتين الغربية والعربية، فبينما نرى أن الفردية الغربية التي تقدس الحرية عادة ما تنادي بمزيد منها، وترى أن حرية التعبير بلا حدود، وتدعو في نظرياتها إلى أن يسود التسامح محل الغضب، نجد الثقافة الشرقية الجمعية، تقدس النصوص الدينية ورموزها، وتنأى في الأغلب عن الخوض في الأمور السماوية، غير غافلة عن أهمية حرية التعبير وإن ضيق الخناق عليها أحياناً.

ُترجم هذا الاختلاف الثقافي في المحافل الدولية، فقد حاولت جهات إسلامية منذ عام 1998 حتى 2011 نيل دعم الأمم المتحدة لفرض حظر على ازدراء الأديان، وهو ما قوبل برفض غربي واضح.

"الموازنة" هي المعادلة الأصعب، فبين مقدسي "الحرية" و"الدين" تسيل دماء وتختلف دول ويستفيد المتربصون، وبينما نجد أن الحل الداعي إلى إعادة الغرب النظر في سن قوانين تجرم ازدراء الأديان أمراً عملياً نوعاً ما، لا سيما أنه قد يروق للمجتمعات العربية والإسلامية، نجد أن لا سبيل لنجاح ذلك دون نشر الوعي الثقافي في كلا العالمين بأهمية وحساسية الاختلاف الثقافي، في شكل يوحد بين الحراك المدني والمؤسساتي.