تنساب أصوات أجراس الكنائس في مدن فلسطين، في لحن يروي حكاية السيد المسيح، وأمه مريم البتول عليهما السلام كاملة، غير أن الرواية ذاتها تختلف إذا ما قُرأت من على الأرض، حيث يشوبها التحريف والنقصان.
وإذا أخذنا السياحة الدينية مثالاً توضيحياً، نجد الإسرائيليين يقحمون رواياتهم الصهيونية في تاريخ المسيحية في فلسطين، حيث تبدأ البرامج السياحية المخصصة للسياح الأجانب باصطحابهم إلى أماكن يهودية ذات دلالات سياسية، لا علاقة لها بالتاريخ المسيحي الروحاني، بهدف استثارة مشاعر السائح كي يتعاطف مع معاناة الشعب اليهودي، بحسب الرواية الصهيونية، ويتغاضى عن جرائمهم على الأرض.
متحف المحرقة اليهودية، إحدى أبرز محطات البرامج السياحة على المستوى الشعبي والقيادات الدينية الغربية، يليها التوجه إلى بعض الأماكن المسيحية المقدسة من دون الأخرى، فما علاقة المقدمة بالمتن؟ هي الرغبة السياسة الإسرائيلية بإخفاء ممارساتها المتناقضة بحق الأرض والشعب الفلسطيني، لا سيما عن الأجانب، الذين يزورون المنطقة للمرة الأولى للتعرف إلى تاريخ الديانة المسيحية عن قرب، وهو الأمر الذي لو تم بشكل متقن لكشف حجم الكوارث التي ألحقتها السلطات الإسرائيلية بفلسطين، فالاحتلال صادر مساحات شاسعة من أراضي بيت لحم على سبيل المثال، وأقام عليها مستوطنات عدة، وعليه قد لا تكون جميع الكنائس والأديرة في هذه المدينة التاريخية متاحة للزيارة، وهو ما لن يفهمه سائح أتى ليروي عطشه الروحي.
الدعاية الإسرائيلية الرسمية ترحب وبشدة بالسياحة الدينية، غير أن السير على خطى المسيح في كامل أرض فلسطين أمر مستحيل، فالحواجز العسكرية بين المدن والبلدات تحول دون ذلك، ناهيك عن جدار الفصل العنصري، الذي يكرس يومياً واقع معاناة مريرة، إذ يحول دون وصول المسيحيين الفلسطينيين أولاً إلى الأماكن المقدسة خلف الجدار، بحجة الحفاظ على الأمن الإسرائيلي.
ولا يقتصر الأمر على الحواجز الإسمنتية، بل يتعداه إلى تلك الورقية، فتصاريح الزيارة تعد عائقاً آخر يضاف إلى ما ذكر، فالمؤسسات الإسرائيلية انتقائية في منحها إياها، سواء للسائح الأجنبي أم للمسيحي الفلسطيني، وعليه يحول ذلك دون اجتماع جميع أفراد العائلة للاحتفال أو لزيارة الأماكن المقدسة، كما يفترض بالحال أن تكون.
المقدسات لها حكاياتها مثل البشر، وإن استحالت زيارتها مجتمعة، فلربما تتعانق أصوات أجراسها في صورة لن تتمكن إسرائيل من إسكاتها.