قرار القضاء التونسي بحل ما تسمى «رابطة حماية الثورة»، يضع الإبرة على أسطوانة لحن الحماية الحقيقية للثورة، ويجنّبها انتهازية وترصّد أولئك الذين كمنوا خلف متراس «حماية الثورة» لتأبيد استيلائهم على الحكم.
حماية الثورة وضمانتها التفاف الشعب، ولا تحتاج لرابطة حزبية وفئوية تحتل المكاتب الأثيرة وتشغّل عناصر من «الأهل والعشيرة»، في تكريس اقتناص السلطة في غفلة انتهزها محظيون بأحضان قوى خارجية وغاطسون في ضباب العواصم.
لم تكن الديمقراطية الغربية وصناديق الاقتراع في قاموس «الإخوان» ومسمّياتها المختلفة في كل أماكن تواجدها، سوى بدعة وضلالة. «الثورة» كذلك ليست جزءاً من أدبيات الجماعة، التي بقيت خمسة وثمانين عاماً في انتظار أن تحرّك حفنة من شباب الإنترنت موجات الحراك الشعبي، ثم تنتهز قيادات الجماعة الفرصة لركوبها.
من يعرف واقع تونس لا يحتاج إلى كثير عناء ليلمس علمانية وانفتاحاً متأصّلين في وجدان شعبها، البعيد فكراً وممارسة عن الانضواء في قوالب الدين السياسي.
ففي ثورة ديسمبر 2010 لم يكن أشد رموز تيارات الإسلام السياسي تفاؤلاً يتوقّع أن يكون مآلها فوز حركة النهضة الإخوانية، التي لم يكن لها حضور في قيادة الحراك الشعبي وتفاعلاته في الشارع التونسي، بالانتخابات التي استعجلت الحركة إجراءها لتشكيل مجلس تأسيسي، بهدف قولبة المشهد السياسي سريعاً على نحو يؤسس لآليات تخدم تثبيت أقدام الحركة التي جاء قادتها من الخارج ودخلوا البلاد من بوابة الثورة.
صعود حركة النهضة إلى السلطة من دون نضوج تاريخي وبلا جذور شعبية، دفعها لتأسيس «رابطة حماية الثورة» تحت عنوان الذود عن الثورة وحمايتها من أنصار النظام السابق، علماً أن كل عنصر في الحركة يعلم أن الشعب التونسي يرفض العودة إلى الوراء بعدما تنسّم أريج «ثورة الياسمين»، وهو قادر على منع عودة ثقافة الفساد والاستبداد إلى مشهده السياسي.
لكن في حقيقة الأمر أن قادة «الإخوان» كانوا متيقنين أن تسلّمهم للسلطة لا يملك ضمانات الاستمرار، وأن مشكلات البلاد وتحدّياتها أكبر من قدرتهم على مواجهتها، فكان أن لجأوا لهذه الرابطة التي تحوّلت إلى ميليشيا وهراوة عنف في مواجهة خصومهم، بل واتّهمت بتنفيذ عمليات اغتيال لمعارضي الحركة.
لكن ما هو أشد وضوحاً أن الحركة ورابطاتها الميليشيوية شكّلت غطاءً على محاولات «طلبنة» المجتمع التونسي، وتحويل مناطق كاملة مثل جبل الشعانبي إلى معسكرات للمجموعات المسلّحة التي تهاجم الجيش وكل مخالف للرأي. وكان من الطبيعي أن يفضي هذا النهج إلى إسقاط الانتهازيين، من أجل حماية تونس.