عندما قفز "الإخوان المسلمون" إلى سطح المشهد السياسي في مصر وتونس بداية العقد الحالي، قالت الرئاسة السودانية ممثلة في نافع علي نافع نائب الرئيس آنذاك: إن تلك الخطوة ستكون السبيل لنهضة وصحوة وتحرير العالم العربي والإسلامي. ورأت حكومة المؤتمر الوطني "الإخوان المسلمين"أن سطوع نجم إخوانهم في مصر وتونس، هو انتصار لهم وتبرير لشرعيتهم التي اكتسبوها "بالدبابة". وظلت وجهة النظر تلك تسيطر على الخطاب السياسي الرسمي في السودان، إلى أن ذهب إخوان مصر إلى ما ذهبوا إليه وتوارى إخوان تونس عن المشهد السياسي.

وتبرز هذه الوقائع حقيقة انتهازية الإسلام السياسي ونواياه الخفية في المنطقة العربية ككل.

ولم يكن حلم دولة الإسلام السياسي العربية بجديد على جماعة الإخوان، التي تسيطر على مقاليد الحكم في السودان اليوم، فقد بدأ ذلك الحلم منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، عندما تحولت الخرطوم إلى مأوى لكل المطرودين من العالم العربي من أمثال أسامة بن لادن وراشد الغنوشي وغيرهما. ووجد التنظيم العالمي للإخوان ضالته في الخرطوم التي أصبحت تتلقى تعليماتها من القرضاوي وغيره من ناشطي التنظيم.

لكن الخرطوم التي كانت مركزاً وبؤرةً لأفكار تنظيم الإخوان ونواياه التمددية تحولت إلى وبال، فتجربة حكم الإخوان المسلمين بقيادة البشير وعرابه حسن الترابي، كانت ملهماً سالباً لشعوب المنطقة العربية، وكشفت لهم زيف شعارات الإسلام السياسي ومجافاتها للواقع الحياتي، حيث شهدت الحياة الاقتصادية والسياسية في السودان تدهوراً مريعاً، وبدأ من حينها يعرف طريقه للفساد الذي استشرى بشكل يصعب اجتثاثه.

والفساد الاقتصادي والسياسي جزء أصيل من أدبيات الإسلام السياسي، التي تقوم على الاستحواذ والسيطرة.

 وبرز ذلك بجلاء منذ السنوات الأولى من حكم المؤتمر الوطني، حيث تحولت جميع مؤسسات الدولة، بما فيها الجيش والدوائر الدبلوماسية والهيئات والشركات والمؤسسات العامة، إلى مرتع خصب لكوادر الإخوان، فتم تشريد الآلاف من أصحاب الخبرات والمؤهلات الذين كانوا يتولون أمر تلك الدوائر والهيئات، وألقوا بهم في الشارع لأنهم "ضد التوجه الإسلامي". لكن البديل الإسلامي كان معلماً في الفساد وغياب الإرادة، وبالتالي تدمير كافة مقومات البلاد.

ولأن التاريخ لا يمسح من الذاكرة، فقد استفادت الشعوب في مصر وتونس من التجربة السودانية، وأدركت أن السماح بانتشار وباء المتأسلمين في بلدانهم سيقودهم إلى الفقر والتهميش ودمار البنية الاقتصادية والسياسية. المؤكد أن تجربة الإسلام السياسي لن تجد مكانها في العالم العربي، في ظل الوعي المتزايد لدى الشعوب ووجود تجربة ماثلة أمامنا، تؤكد يوماً بعد الآخر مدى زيف شعارات هذه المجموعة وفقدانها للرؤى، وبعدها عن الواقع الذي يتطلب إرساء أسس التسامح والاعتراف بالآخر، وصدق الطرح والعمل الجاد من أجل مصلحة الشعوب.