أثارت الزيارة التي قام بها وزير الدفاع المصري المشير عبدالفتاح السيسي، ووزير الخارجية نبيل فهمي، أخيراً، إلى موسكو، أصداء وردود فعل وتعليقات، ربما لم يقدر لأي زيارة مماثلة أن تثير جانباً ولو محدوداً منها، الأمر الذي يفتح المجال لسؤال محدد: لماذا هذا كله؟

دعنا نسلم بأن جانباً ليس بالقليل من هذه الضجة يعود إلى إساءة فهم المنطلقات التي كانت وراء ذهاب الوزيرين المصريين إلى موسكو، وهي إساءة فهم لم تقتصر على بعض المراقبين في مصر والعالم العربي، وإنما امتدت إلى العديد من العواصم، وفي مقدمتها واشنطن.

لقد رأت مصر أن عودة خطى مسؤوليها للطريق إلى الشرق هو أمر طبيعي ومنطقي، ولا يعني بالضرورة أن القاهرة تغير استراتيجيتها، وإنما يعني أن من حق مصر أن تتابع مصالحها، وأن تخدم بصفة خاصة أمنها القومي بأفضل الطرق الممكنة، بما في ذلك عقد صفقات للسلاح مع العواصم التي انقطع هذا النوع من التعاون معها لفترات ليست بالقصيرة.

صانع القرار في القاهرة يدرك، بوضوح تام، أن المناخ الدولي اليوم يختلف عما كان سائداً خلال مرحلة الحرب الباردة، وبالتالي يقتضي منطلقات مختلفة للتعاون مع القوى العالمية، وإن شئت الدقة يقتضي أسساً مختلفة للتعاون، ولكن هذا كله لا يعني تكبيل قدرة القاهرة على الحركة النشطة والطليقة بامتداد العالم، ومن هنا على وجه الدقة فإننا نتوقع المزيد من الانطلاق المصري على الطريق إلى الشرق، ليس نحو موسكو وحدها، وإنما نحو بكين أيضاً وغيرها من العواصم البارزة.

هنا لا بد لنا أن نتذكر أن ردود الأفعال التي ترددت في واشنطن تستحق الالتفات حقاً، فهي تشمل ضمن أصدائها العديدة، التلويح بأنه في مقابل التحرك المصري فإن واشنطن تفتح لنفسها إمكانية الحوار مع «قوى أخرى» على الساحة السياسية المصرية.

ولكن أليس هذا هو ما كانت واشنطن تقوم به بالفعل منذ سنوات طويلة؟ أليس هذا ما تقوم به اليوم، وما يتوقع أن تقوم به في الغد؟

لقد سبق لمسؤولين أميركيين على رأسهم جون كيري وزير الخارجية، أن قالوا لمسؤولين مصريين إن واشنطن استثمرت الكثير في مصر على امتداد عقود. ولكن ألم يكن هذا استثماراً في مصالح أميركا؟ هل يعني أن واشنطن اشترت الإرادة السياسية المصرية؟

إن من يفكر بهذه الطريقة في واشنطن يخطئ أعظم الخطأ في قراءة أبسط الحقائق المتعلقة بطبيعة العلاقات المصرية الأميركية، وعليه أن يعيد النظر في نسيج أفكاره وفي أهدافه ومقاصده. ويظل من حق مصر أن تبحث عن أفضل الطرق لخدمة مصالحها وأمنها القومي، في إطار من التعاون مع شقيقاتها العربيات، وليس هناك من يمكن أن يحجر على إرادتها أو يصادر حريتها، ومن يظن خلاف ذلك فهو واهم حقاً.