نعم، لا يمكن إلا أن يوصف بأنه طبيعي ومنطقي قيام حمدين صباحي، مؤسس التيار الشعبي، بترشيح نفسه رئيساً لمصر في الانتخابات الرئاسية المقبلة، حتى وإن قيل إنه فعل ذلك بحكم ضغوط لحظة حافلة بالانفعال، وإنه لايزال يتعين على التيار وجبهة الإنقاذ التي يشارك فيها، القيام رسمياً بتأييد هذه الخطوة.

هذا الوصف لم يأت من فراغ، وإنما هو وليد العديد من الاعتبارات الجديرة بالتوقف عندها طويلاً وتأملها عن كثب.

دعنا نسلم، أولاً، بأن حماس الكتلة التصويتية الكبرى للشارع المصري لانتخاب المشير عبد الفتاح السيسي رئيساً لمصر، لا يعني إغلاق الباب أمام ترشح قيادات سياسية أخرى، ترى أن لديها من البرامج والأفكار والاقتراحات ما يمكن أن يخدم مصر على أفضل وجه ممكن في مرحلة انتقالية قلقة بطبيعتها، بل الأمر على العكس، فوجود أكثر من خيار على هذا المستوى أمام الناخب، هو إثراء للحياة السياسية المصرية والتجربة الديمقراطية الوليدة فيها.

ثانياً، يبدو التراشق في صفوف القوى الثورية الشبابية الذي أعقب ترشح صباحي، والانقسام الذي ثار بين كوادر قيادية في حركة تمرد بادرت بتأييد هذا الترشح وبين التيار الرئيسي في الحركة، مبرراً لمطالبة الشارع السياسي لهؤلاء الشباب بالمزيد من بلورة مواقفهم بما يجعلهم رصيداً بالإيجاب للتجربة الديمقراطية المصرية، وليس عبئاً عليها، ومن هنا تأتي وجاهة دعوتهم إلى الانخراط في أحزاب قائمة، أو إقامة أحزاب جديدة قادرة على بلورة أفكارهم ومطالبهم.

ثالثاً، ما نشهده اليوم على صعيد العمل السياسي في مصر، يصب بالتأكيد في ضرورة التمييز بين الحوار، الذي هو جزء من صميم العملية الديمقراطية، وبين التمزق الذي هو جزء من نسيج الفوضوية التي يرفضها الجميع.

رابعاً، لا يخلو من دلالة بالغة الأهمية، أن هذه التطورات تتزامن مع حسم عبد المنعم أبو الفتوح رئيس "حزب مصر القوية" للجدل الدائر حول ترشحه للانتخابات الرئاسية المقبلة بإعلانه عدم الترشح. وبغض النظر عن الأداة التي حاول بها تبرير موقفه، فإن الحقيقة الأساسية هي أنه يدرك أن التيار الذي يرتبط به بشكل أو بآخر، مرفوض من الشارع السياسي المصري تماماً.

خامساً، ويبقى من المهم أن ندرك في غمار هذا كله، أن من الطبيعي والمنطقي أن يصر التيار الرئيسي للناخبين في مصر على أن صوتهم سيذهب إلى من لديه مشروع لخدمة الوجود والمستقبل المصريين، وأن ذلك سيكون في إطار برنامج واضح وصريح ومحدد، يخدمهما ويؤكد رفض المزيد من إهدار الوقت، وهو الوقت الذي ينبغي أن يكرس لخدمة العمل الوطني في كل توجهاته.