تطل الذكرى الثالثة لانطلاق الربيع العربي حاملة معها قدراً من التشابك والتعقيد، ربما لم يقدر لعالمنا العربي أن يصادفهما منذ التقلبات السياسية التي شهدتها خمسينيات القرن العشرين. ولم يتردد محللون بارزون في الإشارة إلى أن تعقيد الربيع العربي يرجع إلى أنه الساحة التي التفت عليها موجتان كاسحتان، أولاهما الاندفاع الجماهيري الداخلي نحو تغيير طال انتظاره، وثانيتهما الاجتياح الخارجي، تجسيداً لرغبة عواصم غربية عديدة في إعادة تشكيل ملامح المنطقة وكياناتها، بما يتفق مع مصالحها وتوجهاتها.

لعلنا نذكر أنه في مصر، ومع انتقال موجة الربيع العربي إليها بعد تونس، توقع كثير من المراقبين أن خمس سنوات، على الأقل، ينبغي أن تنقضي قبل أن تعود مصر إلى النقطة التي كانت تقف فيها قبل اندفاع ثورة الخامس والعشرين من يناير، ومن ثم معاودة الانطلاق نحو المستقبل على أرضية من البناء والتنمية والعمل الجاد.

الآن ها هي ثلاث سنوات بكاملها قد انقضت، من دون أن يلوح في الأفق الحد الأدنى من العودة إلى نقطة الانطلاق مجدداً نحو المستقبل.

هذا الواقع يفتح أفق نقاش ممتداً حول تقييم ظاهرة الربيع العربي ذاتها، خاصة وقد بادر محللون غربيون إلى امتشاق أقلامهم، للربط بين هذه الظاهرة وبين الفوضى والقمع والحرب الأهلية.

في عالمنا العربي هناك رؤية مختلفة، تشدد على ضرورة النظر إلى الربيع العربي في إطار حركة التاريخ، التي تعلمنا ألا نستبق الأحداث، وألا نحكم على الظواهر إلا مع تكامل الحد الأدنى من مقوماتها الموضوعية.

ما الذي يعنيه هذا على وجه الدقة في ما يتعلق بمسيرة مصر نحو المستقبل؟

في اعتقادي أنه يعني أننا سنشهد، في المرحلة المقبلة، صراعات محتدمة بين القوى السياسية، ستحدد نتائجها إلى أين تمضي مصر في العقود المقبلة.

ربما لهذا، على وجه الدقة، فإن القوى السياسية المختلفة تقطع الشوط كاملاً، وتسخر قدراتها لحسم التوجه المستقبلي للحياة السياسية المصرية.

لهذا أيضاً، ومع عدم التقليل من أهمية الصراعات في أرجاء شتى من العالم، فإن كل العيون تتركز على القاهرة، لأن مصير قدر كبير من المستقبل العربي يحسم هناك، أو هذا على الأقل ما نتوقعه في العام الصعب، عام 2014، الذي نستشرف آفاقه اليوم بمزيد من اللهفة والتطلع.