هل آن الأوان لانحسار الظل الأميركي الذي ارتمى طويلاً على عالمنا العربي؟ الكثيرون يعتقدون أن الرد على هذا السؤال هو بالإيجاب، في ضوء مؤشرات عديدة تؤكد أن التركيز في السياسة الخارجية الأميركية ينتقل الآن بشكل حاسم من الشرق الأوسط إلى الشرق الأقصى وجنوب شرقي آسيا.

الجدال المحتدم حول هذا الموضوع أعاد طرحه بقوة من جديد ريتشارد هاس، رئيس مجلس العلاقات الخارجية الأميركي وأحد منظري المحافظين الجدد، والذي ارتبط اسم الفريق الذي ينتمي إليه من المفكرين والمنظرين، بغزو العراق، وذلك في كتابه الصادر أخيراً تحت العنوان الدال «السياسة الخارجية تبدأ في الداخل».

كما هو واضح من عنوان هذا الكتاب، فإن أحد المفاهيم الأساسية التي يدعو إليها هاس يدور حول مطالبته للمسؤولين الأميركيين بترتيب البيت الأميركي من الداخل، أي الاهتمام بالمشكلات الداخلية الأميركية، قبل التركيز على السياسة الخارجية للولايات المتحدة.

وفي هذا الإطار يؤيد هاس التوجه الذي يتبناه كثيرون في مراكز الأبحاث الأميركية، وهو انتقال الاهتمام الأميركي من الشرق الأوسط إلى الشرق الأقصى وجنوب شرقي آسيا، ولكنه في الوقت نفسه لا يتردد في الاعتراف بأن هناك مقاومة للدعوة لهذا الانتقال، من جانب قطاعات لا يستهان بها من الباحثين الاختصاصيين في السياسة الخارجية الأميركية.

وأسباب الدعوة إلى تقليص اهتمام السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط أكثر من واضحة، فالولايات المتحدة تقترب سريعاً من الوصول إلى الاكتفاء بمواردها النفطية، وبالتالي التخلي عن الاعتماد على نفط الشرق الأوسط.

ومن ناحية أخرى، هناك من الباحثين من يرون أن تضاريس الأوضاع السياسية في الشرق الأوسط قد أعيد، أخيراً، ترتيبها بما يخرجها من دائرة هموم واهتمامات أميركا لعقود طويلة مقبلة.

ومن ناحية ثالثة فإن واشنطن الرسمية ترى أن حليفها التقليدي في المنطقة، إسرائيل، أصبح في وضعية تتيح أن يعهد إليه معها بالتصرف في متغيرات المنطقة، دون حاجة إلى تدخل أميركي ملموس.

والأسباب تتعدد وتمتد طويلاً، لكن تفصيل القول فيها لا ينبغي أن يحجب عنا الحقيقة الواضحة، وهي أن انحسار الظل الأميركي الطويل عن المنطقة، يرتبط ببروز دور إسرائيلي أكثر حضوراً، يتم أداؤه بتنسيق محكم مع واشنطن.

هذا هو على وجه الدقة ما ينبغي أن نتوقعه نحن العرب ونستعد لمواجهة تجلياته، التي سنشهدها عما قريب.