أعجبتني كثيراً الكلمة التي قالها وزير الخارجية المصري نبيل فهمي في حديثه لمندوبي وكالة رويترز أثناء زيارة وزير الخارجية الأميركي جون كيري لمصر، حيث قال فهمي "الولايات المتحدة ينبغي أن تنظر إلى علاقتها مع مصر على المدى الطويل وأن تدرك أن عليها في أعقاب الربيع العربي أن تتعامل مع الشعوب وليس فقط الحكومات".
هذه الكلمات تصيب صلب السياسة الخارجية الأميركية، وقد سبق أن كتبت أكثر من مرة وقلت أن السياسة الأميركية لا تعرف الشعوب ولا تتعامل معها، ولم نسمع ولم نرى أميركا تبني في الدول الصديقة لها أي شيء للشعوب، لا مصنع أو مدرسة أو مستشفى أو طريق أو سد أو جسر..
ولا توجد مؤسسة أميركية في دولة أجنبية إلا وتعمل لحسابها الخاص وليس لحساب الدولة المضيفة لها، بينما عندما تُذكر روسيا يعدد الناس المشاريع التي بنتها بلا مقابل لشعوب العديد من الدول النامية، وأذكر هنا مقولة شهيرة للرئيس الأفغاني الراحل برهان الدين رباني الذي قاد المقاومة الأفغانية ضد السوفييت، قال رباني في حوار مع الوكالة الفرنسية عام 2009 "لقد بنى الروس عندنا مستشفيات ومدارس وطرق وجسور، وجاء الأميركان فدمروا بطائراتهم عمداً كل ما بناه الروس"، وكرر رباني كلمة "عمداً" مرتين.
الشعوب لا ترى من أميركا سوى الحرب والقتل والدمار، وما تأخذه منها من علوم وتكنولوجيا تدفع مقابله الكثير من كرامتها واستقلال إرادتها، وليس أسهل على الأميركان من التعامل مع الأنظمة الحاكمة، لأنها في النهاية تتعامل مع أشخاص لها مصالحها وطموحاتها الخاصة البعيدة عن شعوبها، وهذه الأحلام والطموحات لا تكلف الأميركان الكثير، فمن يبيع شعبه ووطنه يقبل أبخس الأسعار..
ولم يؤمن الأميركان قط بأهمية الشعوب وطموحاتها وحاجاتها، ربما لأن هذه الأشياء مكلفة كثيراً، لقد رفضت أميركا تمويل السد العالي في مصر لأن عبدالناصر رفض أن يبيع إرادة واستقلال وطنه، وجاء السوفييت وبنوا السد ولم يطلبوا شيئاً، ولم يفرضوا أي سياسة على مصر، وعندما طردهم السادات عام 1972، خرجوا في ساعات معدودة ورغم هذا لم يتخلوا عن مصر.
الآن، بعد الربيع العربي، وكما قال الوزير المصري نبيل فهمي، هذه السياسة الأميركية لم تعد تصلح، فالقرار أصبح في يد الشعوب، تُسقط نظاماً وتُقيم نظاماً، والإخوان المدعومون من أميركا لم يصمدوا عاماً واحداً في السلطة، وإذا كانت الفوضى الأميركية خلاقة، ففوضى الشعوب لا تعرف الدبلوماسية ولا المساومة، ولا يمكن التحكم فيها أو توجيهها، والشعب المصري الذي يرفض أميركا ويستدعي روسيا، شعب واع ذو ذاكرة قوية، يعرف جيداً من العدو ومن الصديق.
والسؤال الآن، هل يستوعب الأميركان الدرس المصري، أم سيظلون في طغيانهم وجهلهم يعمهون؟