نظرة واحدة على كتاب في تاريخ مصر من شأنها أن تؤكد لك الحقيقة الواضحة والبسيطة، وهي أن المصريين شعب صبور، يجيد التحمل، ويملك القدرة على التعايش مع المتغيرات، حتى وإن أصبحت مصائب ونوائب.
ولمحة واحدة من تطورات العقود القليلة الماضية من شأنها أيضاً أن تؤكد الحقيقة نفسها، ويكفي أن نتذكر في هذا الصدد احتمال المصريين للتناقضات المرعبة التي حملتها السنوات الأخيرة من عهد الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، والتي كان أبرز رموزها متمثلاً في الهوة الوحشية بين فيلات الضواحي المقرفة وجحور العشوائيات.
لكن للصبر حدوداً، كما يقولون، ومن يتأمل عن قرب ما يجري في الشارع المصري اليوم لابد له من التيقن من أن صبر المصريين قد نفد، وإنه لم يعد في قوس الصبر منزع، كما يقال.
الشعب المصري، الذي يتوق بلا حدود إلى بدء مسيرة العمل والبناء والتنمية، لا يملك إلا أن يرفض الممارسات التي تفرضها عليه كل يوم جماعة الإخوان المسلمين والمتحالفون معها، والتي تعرقل مسيرته نحو المستقبل.
لا يستطيع الشعب المصري أن يقبل مسلسل تفجير السيارات الذي يدوي تحت آفاقه، مستهدفاً المؤسسات التي تشكل رموزاً لأمنه واستقراره.
وهو لا يقبل عمليات الاغتيال التي تستهدف أبناءه في سيناء وغيرها من مناطق أرض مصر، والتي يبدو التعمد والتقصد مكوناً أساسياً فيها، والتي تشكل في المقام الأول رسائل موجهة إلى الخارج.
والشعب المصري لا يمكن له أن يقبل بالتلاعبات التي تتحدث عن وساطات للحوار مع الجماعة الدموية، فيما يد هذه الجماعة ملطخة بدماء أبنائه.
وهو لا يملك إلا أن يرفض ممارسات أولئك الذين يفتحون نيران الأسلحة الآلية على دور العبادة، لتحصد الأبرياء من مرتاديها ومن العابرين للشوارع التي توجد فيها.
كلمة «كفى» ترتفع عالية وصارخة وواضحة من الشعب المصري، في مواجهة هذا الذي يجري في الشارع السياسي المصري، بما في ذلك تحويل ساحات الجامعات المصرية، التي بناها الشعب المصري بعرقه ليتعلم فيها أبناؤه، إلى أماكن لتجمعات وتظاهرات عبثية.
الذين تصوروا أنهم يمكن أن يستغلوا صبر الشعب المصري بلا حدود لتحقيق مآربهم عليهم أن يدركوا أن لهذا الصبر حدوداً، وأنهم بما يفعلون ويرتكبونه يشطبون أنفسهم من سجل حياته السياسية، قبل أي شيء آخر، ويحكمون على أنفسهم بالفناء والعدم.