أستطيع أن أفهم ردود الأفعال الغاضبة التي اجتاحت الشارع المصري، رداً على قيام الإدارة الأميركية بتعليق جانب من المساعدات التي تقدمها لمصر، بل ويمكنني أيضاً استيعاب انتقال ردود الأفعال هذه إلى كمال طه، الوزير ذي التاريخ النضالي الطويل، الذي استخدم التعبيرات نفسها التي تبناها رجل الشارع في الرد على الخطوة الأميركية، رغم مبادرته إلى تأكيد أن هذا هو موقفه الشخصي، وإن كان يتمنى أن يكون موقف الحكومة المصرية في المستقبل القريب.
لكنني لا أستطيع، على وجه التأكيد، فهم ردود أفعال أجنحة في النخب المصرية، والتي بدا أن كل ما لديها هو مزيج محير من التردد والتخبط والعجز عن رؤية الموقف على حقيقته وعدم القدرة على بلورة الحد الأدنى من الإدراك الصحيح لما يجري وكيفية الرد عليه.
ربما كانت البداية الصحيحة للتعامل مع الموقف الأميركي هي أن نفهم جوهر هذا الموقف، وإذا رجعنا إلى الصياغة الرسمية الأميركية لهذا الموقف، لوجدنا أننا، في حقيقة الأمر، أمام ثلاثة محاور واضحة:
أ طائرات أباتشي الهجومية.
ب صواريخ هاربون.
ج قطع غيار وأجزاء الدبابة إم 1 إيه 1
د طائرات إف 16
❊ المحور الثاني هو قرار الإدارة الأميركية حجب 260 مليون دولار من المساعدة السنوية الأميركية عن الميزانية المصرية العامة.
❊ المحور الثالث هو إمكانية إعادة النظر في المحورين السابقين، لدى «تحسن الحال» بالنسبة للمسيرة المصرية باتجاه الديمقراطية.
يلفت نظرنا أن القرار الأميركي بصياغته تلك يأتي بمواكبة من تعليقات في عدد لا يستهان به من مراكز الأبحاث الأميركية التي لم تتردد في التأكيد على أن القرار «أقل كثيراً وأكثر تأخراً من الناحية الزمنية» على نحو ما عبر داليبور روهاك في معهد كاتو.
في اعتقادي أن القرار بصياغته تلك، وبالأجواء التي واكبته في العاصمة الأميركية، يفتح المجال للمزيد من الضغوط الأميركية على صانع القرار في القاهرة.
وبهذا المعنى فإنني، اختلف مع الكثير من المعلقين في العواصم العربية، الذين ذهبوا إلى أن الحديث الأميركي عن «تحسن الحال» باتجاه الديمقراطية في القاهرة يفتح المجال أمام قيام واشنطن بإلغاء القرار. واعتقد أن واشنطن بسبيلها إلى المزيد من الضغط والتصعيد، وليس العكس.
هنا على وجه الدقة نعيد التذكير بما طالب به الكثير من الكُتّاب، ومن بينهم كاتب هذه السطور، بحتمية قيام العرب بمد الجسور شرقاً.
لا نطالب بقرارات مصرية متعجلة، ولا بردود عصبية، ولا بالقفز فوق المعطيات الموضوعية، لكننا نطرح السؤال الذي طالما أرق أجيالاً من المصريين وأشقائهم العرب: ألم يحن الأوان لدراسة القرار الصعب والحتمي في آن بتنويع مصادر السلاح في مصر؟