تعيش مصر الآن مرحلة مخاض كاملة، وتنفض عن نفسها غبار وتراكمات عقود طويلة مضت، عقود لم تأتِ بأجيال تستحق أن تحمل اسم ولواء هذا البلد الكبير صاحب التاريخ العريق.

ورغم الحالات الفردية من الرموز الوطنية التي شهدتها هذه العقود، إلا أن جيلاً وطنياً يتحمل مسؤولية بناء وتنمية هذا البلد لم يظهر فيها، بل كانت الأجيال خلالها متصارعة ومتناقضة تحمل طموحات ورؤى مختلفة معظمها قادم من خارج حدودها، ولهذا لم نر في مصر فترة تنمية وطنية حقيقية، حتى في حقبة الستينات التي يصفونها بالعصر الذهبي على قدر إنجازاتها المحدودة والمتميزة، لم تكن فقط الحروب والأطماع والتهديدات الخارجية هي السبب الوحيد في إعاقتها، بل كانت النخبة المحيطة بالقيادة الوطنية تفتقد هي نفسها للوطنية.

ثورة 25 يناير 2011 في مصر لم تسقط فقط نظام حكم دام ثلاثين عاماً، بل أسقطت أقنعة كثيرة كانت تتشدق بالوطن، وبدا واضحاً على الساحة أن جيلاً جديداً جاء من واقع المعاناة .

ومن قلب الوطن يسعى بصدق ومن دون انتماءات ولا أيديولوجيات خارجية للتغيير ويطمح لبناء مصر الجديدة، هذا الجيل الذي قام بالثورة وضحى بحياته من أجلها، للأسف الشديد، لم يره أحد من النخب الموروثة من العهود الماضية، الذين سارعوا جميعاً لركوب الثورة رافعين شعاراتهم القديمة، وانغمسوا في الصراع على السلطة والمقاعد المحيطة بها، وكانت النتيجة، الفشل الذريع للجميع.

والذي أتى بأسوأ مخلفات العهود السابقة من المتأسلمين والإرهابيين الذين نجحوا في الاستيلاء على السلطة لامتلاكهم القدرة التنظيمية وإجادتهم اللعب بالمشاعر الدينية.

واقتنعت النخبة المتخلفة من العهود الماضية بأن السلطة ضاعت منها فعادت لتمارس أساليبها القديمة البالية في الصراع على المقاعد والدخول لدائرة الضوء، فأعطوا الفرصة للجماعة الإرهابية المتسلطة على الحكم، والتي لمست ضعفهم وطموحاتهم التافهة، لتستبد بالسلطة وتستحوذ عليها لنفسها ولا تعيرهم أي اهتمام، وكلاهما، الجماعة والنخبة أغفلوا تماماً الجيل الجديد الذي قام بالثورة وحده وأحدث التغيير.

لم يقبل هذا الجيل أن تسرق منه ثورته، فأعلن العصيان ثم أطلق "التمرد" ليصنع ثورته الثانية التكميلية في 30 يونيو 2013، هذه الثورة العظيمة التي لم تسقط فقط حكم جماعة الإخوان الإرهابية، بل أسقطت أيضاً الأقنعة عن النخب البالية من العهود الماضية، لتعلن عن جيل جديد يملك القدرة والحق في صنع مستقبله بيده، ومن دون أي تسلط فكري من عقول أدمنت اللعب بالأقنعة وافتقدت للروح الوطنية الحقيقية وللطموح الحقيقي لبناء الوطن.

هذا الجيل الجديد هو الذي سيطرح خياراته ويفرضها على الجميع، ولا أعتقد أنه سينظر للماضي، بل سيتطلع للمستقبل وسيصنع فكره وقياداته بيده، هذا الجيل الذي أيقظ الحس الوطني في كل أرجاء الوطن، في المسجد والكنيسة والجيش والشرطة والقرى والمدن، إنه جيل مصر الجديدة.