شاهدت، مثل ملايين المشاهدين غيري، الفيلم الوثائقي الفريد «سنوات الحضور»، الذي بثته أخيراً قناة «سي بي سي بلس 2»، والذي اختزل المحطات الأكثر بروزاً في حياة الزعيم العربي جمال عبد الناصر في ذكرى رحيله، ورحت أسائل نفسي، مع الكثيرين، كيف أمكن لنا نحن العرب أن نتراجع من أيام الشموخ تلك إلى البؤس المروع الذي نعيشه من الماء إلى الماء هذه الأيام!
ولست أحسب أن أحداً في عالمنا العربي قد غاب عنه أن عرض هذا الفيلم الوثائقي، لم يكن إلا لمحة واحدة ضمن إحياء استثنائي للذكرى الثالثة والأربعين لرحيل الزعيم الكبير، بما في ذلك مشاركة المؤسسة العسكرية المصرية، ممثلة في كبار قادتها، في المناسبة وانضمامهم إلى حشود كبيرة في الاحتفاء بهذه المناسبة في ضريح الزعيم الكبير.
دعنا إذن نتأمل الحقائق التي تبرز بقوة وحسم وراء هذا الإحياء الاستثنائي للذكرى، التي طالما عبرت دون أن تحظى إلا باهتمام من يعتبرون أنفسهم مرتبطين بصميم التجربة الناصرية فكراً وحركة.
الحقيقة الأولى، التي لا سبيل إلى تجاهلها هنا، هي أن إرادة سياسية تتحرك وتنطلق وتعبر عن نفسها، بشكل واضح وصريح ومحدد، في رفض قوي للتردي الذي عرفته مصر، وفي إصرار على أن تستعيد وضعها الذي تكفله حقائق الجغرافيا والتاريخ، أن تستعيد كرامتها ومكانتها وحضورها وتأثيرها، واللمحة الرمزية الواضحة هنا هي عبر مد الجسور إلى الفترة التاريخية التي كانت مصر خلالها في ذروة هذا كله وفي سمته بلا منازع.
الحقيقة الثانية هي أن الاستحضار القوي لهذه الفترة من تاريخ مصر ليس استنساخاً لها، وليس عودة إلى رحابها، فتلك مرحلة من التاريخ انقضت، والاقتراب منها يستهدف الخروج بالدروس التي يمكن أن تخدم المستقبل، وتساهم في حمايته.
الحقيقة الثالثة هي أنه حتى أكثر الناس حماساً لمد الجسور إلى المرحلة الناصرية، يسلم بأنه كان هناك ناصر، ولكن لم تكن هناك ناصرية، ذلك أن الناصرية، فكراً ونهجاً ونظراً، لم يقدر لها التكامل، ولو في الحد الأدنى، خلال أكثر أيام تجربة عبد الناصر سطوعاً، ومن هنا على وجه الدقة، فإن أحد أهم تحديات المرحلة الراهنة هو بلورة رؤية متكاملة لعبور مصر من أوضاعها الراهنة إلى المستقبل الذي ترجوه.
الحقيقة الرابعة هي أن كل الأحزاب المصرية، التي تتصور أنها على موعد مع المستقبل، مطالبة بأن تبلور من رصيد الحركة ما يتيح لها أن تكون قادرة على استقطاب الجماهير وعلى خدمتها.
الحقيقة الخامسة هي أن مشكلات مصر اليوم أكثر تعقيداً من أن تعالج بالشعارات، أو العموميات، أو النوايا الطيبة، ومن ثم فهي بحاجة إلى عمل قيادي خلاق وإبداعي.
وتتعدد الحقائق، ولكن الأمر الأكثر أهمية هنا هو أن من يريد التصدي للقيادة في مصر المستقبل، ينبغي أن يدرك الحقيقة البديهية، وهي أن سنوات الحضور تمتد أمامنا، وهي حافلة بالتحديات وبالمخاطر، وينبغي أن يشمر عن ساعديه، وينزل إلى الشارع بروح عبد الناصر، وبانحيازه الصريح إلى فلاحي الوطن وعماله وفقرائه وكادحيه، وأيضاً بفكر يخاطب المستقبل ويوظف أدواته وآلياته.