معاصران سودانيان ولدا في نهاية عشرينيات القرن الماضي - أو لعلها افتتاحية ثلاثينياته - وأحمل لهما محبة خاصة، وأهرع إليهما إذا كنت كقول أبي الطيب: "على قلق كأن الريح التحتي"..

شَغَلَ أحدهما - الطيب صالح - دنيا الأدب العربي والغربي، وانماز بأدبه وبسعة الأفق والاطلاع، رحمه الله. والثاني هو أستاذ جيلي أمد الله عمره - الدكتور منصور خالد، المؤرخ والمحلل السياسي، والكاتب المفكر.

 كلاهما يتميز بحبه الكبير للسودان، وإن اختلفت رؤيتهما الأيديولوجية.. فالطيب كاتب أديب فنان، لم يشغل نفسه بالتعمق في السياسة، لذا كانت آراؤه فيها انطباعات وخواطر.

أما منصور فهو رجل عاش للفكر والسياسة، وساعدته دراسته للقانون على أن يبرع في ذلك، وجاءت أفكاره ورؤاه نسيجا متفردا في واقع السودان السياسي، كما أخبر عنه أستاذه الأديب السفير جمال محمد أحمد، رحمه الله. وما اختلف الرجلان في شيء مثل اختلافهما على توصيف أهل السودان وهويتهم، وما اتفقا في شيء مثل سعة اطلاعهما وبغضهما لفكر الإخوان المسلمين وتنظيمهم.

صرخ الطيب صالح، وحكم الإخوان المسلمين في بداياته، من ضمير فنان وإنسان مرهف: "من أين أتى هؤلاء الناس؟".. وكان يعني من أين أتت غلظتهم وشعبنا طيب، ومن أين أتى فسادهم وشعبنا أمين، ومن أين أتى تشددهم وشعبنا يضم مسيحيا اسمه "محمد"!

أما منصور فإنه وفي كتاب من جزئين وصف بتؤدة أحوال "النخبة السودانية وإدمان الفشل" في حكوماتها المتعاقبة.. حتى إذا وصل إلى عهد الإخوان في السودان أسماه بلا تردد "العهد الغيهب"، ثم شرع في الرد على صاحبه ليبين من أين أتوا وإلى أين يسيرون.

ليس لدي شك في أن جماعة "الإخوان" بعيدة عن الإسلام (كما أفهمه)، ولكني أزعم أن لي معرفة بفكرها ومفكريها، سواء الذين يجثمون على صدورنا في السودان، أو كبيرهم الذي علمهم السحر في أرض الكنانة. ومن واقع تلك الخبرة أعلم (كما يعلمون) أن التعددية والديمقراطية ما هي إلا شعارات جوفاء لا تحمل معنى في فكرهم، وأن الآخر عندهم هو محارب أو عدو.

مع ذلك - ولأجل أفكاري أنا - كنت أحب للدولة المصرية أن تتعامل بحرفية وقانونية أكثر مع أحداث الجماعة هناك. لقد حقّر مرسي القضاء، وانتهك الدستور، ويتحمل مسؤولية قتل المتظاهرين في المقطم، وتدخل مع قبيله في الشؤون الداخلية لدول صديقة لمصر بصورة مستفزة، كتصريحات بديع المتهافتة عن الإمارات.. كل هذا فشل المعارضون في استغلاله وتكييفه قانونيا وسياسيا.

هذا وإخوان السودان يغرقون في شبر من المياه، ولا يستطيعون أن ينقذوا أهلنا من السيول والأمطار الداهمة.. بينما أحجمت المنظمات الدولية عن دعم الدولة لأن الدعم لا يذهب لأهله.. بل يبني عمارات فارهة في ضاحية كافوري في الخرطوم بحري.

ومع ذلك.. فالتحية للهلال الأحمر الإماراتي وهو يمد يد العون لأهلنا في السودان.. ومن قبل ومن بعد التحية لشباب "نفير" و"صدقات" وهم يهبون للدفاع عن أهلهم ضد شرر الطبيعة والطوفان.. الطوفان الذي ينتظر الإخوان في كل مكان، ولكنهم لغفلتهم - لا يعلمون.