المعمار العربي الكبير راسم بدران، لا أملك في مستهل هذه الرسالة المفتوحة لك، من بعد تحية طالعة من القلب، إلا أن أعرب عن أسفي، لأننا لم يقدر لنا أن نلتقي قط، على الرغم من حرصي على هذا اللقاء، وعلى الرغم من حوارنا الهاتفي، والمقالات العديدة التي كتبتها عن مساهماتك المميزة في عمارة المساجد، في أرجاء شتى من العالمين العربي والإسلامي. كما تعلم، لم يكن هذا المجال هو وحده السر في اهتمامي، مع الكثيرين، بأعمالك المعمارية، وإنما هناك أيضا المشروعات التي قدمتها للساحة المعمارية في الإمارات، وفي مقدمتها متحف مدينة العين، والتصور الذي وضعته للواجهة البحرية لمنطقة الخور في دبي، والذي تناوله المعمار جيمس ستيل في الكتاب الذي أفرده لدراسة عمارتك.

والقضايا التي أود أن أناقشها معك عديدة، وأكثر استفاضة من أن أتناولها في هذه الرسالة المفتوحة الوجيزة إليك. دعني، إذن، أركز في حديثي على القضية التي طالما تمنيت مناقشتها معك، فقد لاحظت أن عمارة المساجد في الإمارات، في تجلياتها الحديثة، نادرا ما تستلهم مفردات التراث القديم على أرض الإمارات، على الرغم من تميزه وهويته الفريدة الجديرة بالتوقف طويلا عندها.

هذه القضية تحيلني، بشكل مباشر وفوري، إلى جوهر الجهود التي بذلتها أنت، عبر مشروعات معمارية فريدة، أثارت اهتمام العالم، وحظيت بالكثير من التقدير وأيضا بالدراسة والمتابعة.

لقد طرحت بقوة في هذه المشروعات مسألة إعادة قراءة مفردات العمارة التراثية، ومن ثم التعمق في تفسيرها وتقديمها بأسلوب معاصر، يراعي مقتضيات مواقع البناء وتقنياته ومتطلباته، واندراج المشروعات في نسيج المدينة الحديثة بكل تعقيداتها.

هذا هو، على وجه الدقة، في اعتقادي، ما حاولت القيام به في مشروع مسجد الدولة الجامع الكبير في بغداد، الذي فزت بالجائزة الأولى في مسابقته، فعلى الرغم من أن كراسة المواصفات تشدد على الطابع الطرحي الهائل للجامع، وبعده الرمزي، فإن مشروعك في جوهره هو إعادة تفسير للكيان المعماري للقرية العراقية التقليدية، وتوظيف بارع له، في صورة حضور معماري مذهل، من المؤسف حقا أنه لم يقدر له أن يشق طريقه إلى التنفيذ.

الاشتغال على هذا المفهوم هو نفسه ما نجده في مشروع تطوير منطقة قصر الحكم في الرياض، الذي فاز بجائزة الأغاخان للعمارة الإسلامية، في منتصف التسعينيات، وليس من قبيل الصدفة أنك حرصت على القيام بدراسة مفصلة لعمارة الدرعية التقليدية، قبل مقاربة هذا المشروع الفريد.

والمساجد التي صممتها ونفذت مشاريعها في الدوحة وفي بيروت، تنقل إلينا هذه المعاني نفسها، بجناحي استلهام الماضي ومخاطبة المستقبل على جسر من الحاضر.

من يدري، سيدي، لعلنا نلتقي، قريبا، في مؤتمر حاشد تعد له دبي، مدينة البناء بامتياز، وتناقش فعالياته العمارة العربية في انطلاقها نحو المستقبل، وهو الميدان الذي أعرف أنه يشغلك ويشغل الكثيرين من المبدعين الحريصين على عمارة أفضل تحت آفاق عالمنا العربي.