وسط التطورات السريعة والمتتابعة، التي تشهدها الساحة السياسية المصرية الآن، ينهض سؤال شائك، ليؤرق الكثيرين ممن يعنيهم مستقبل مصر حقاً، وهو: من هو صانع القرار في مصر اليوم؟

هذا السؤال لم يأت من فراغ، ولم ينهض من عدم، وإنما جاء من المسافة التي تبدو كابوسية حقاً بين التفويض الذي أعطته الملايين من أبناء الشعب المصري، بالنزول إلى الشوارع والميادين، للجيش والشرطة لمعالجة الأوضاع الراهنة في البلاد، وبين ما هو حادث بالفعل على الأرض.

وربما في معرض التصدي لهذا السؤال المؤرق، أصدر الرئيس المصري المؤقت عدلي منصور قراره بتفويض رئيس الوزراء المصري حازم الببلاوي بعض اختصاصات قانون الطوارئ، خاصة منح الجيش حق القبض على المدنيين.

وفي غضون ذلك تتوالى ظواهر لم تعرفها مصر في تاريخها، ربما منذ ثورة الدولة القديمة قبل ألوف السنين، فتحت عباءة حق التظاهر السلمي تفرض جماعة الإخوان المسلمين الشلل التام على شرق القاهرة بكامله، وتنقل التوتر من العاصمة إلى المحافظات مع تحويل سيناء إلى ساحة لحرب حقيقية.

بالتوازي مع ذلك تشهد الساحة عملية فرز حقيقية بين القوى الوطنية الحريصة على مستقبل مصر والمستعدة للتضحية إلى آخر الحدود من أجله، وبين أولئك الذين يحاولون تكريس وجودهم كجماعة فوق الوطن، أو كأحزاب تمسك العصا ـ بل العصي إن شئت الدقة من المنتصف.

 وبينما تتناثر الجثث هنا وهناك، ويتحول اقتحام مؤسسات الدولة إلى ممارسة يومية، يؤجل موعد مصر مع المستقبل إلى إشعار آخر. هنا يتعين علينا أن نلاحظ، على الفور تقريباً، أن تأجيل اتخاذ القرار، أو عدم اتخاذه أصلاً، هو في حد ذاته قرار، حتى وإن كان بالسلب. هنا أيضاً نلاحظ أن وضعاً كالذي تعيشه مصر هذه الأيام، يفرض أن تفرز ديناميات الحياة السياسية ذاتها آلية قادرة على التعامل معه بالحسم، سياسياً في المقام الأول، وأمنياً بحكم التداعيات المتضمنة فيه.

ومن المؤكد أننا نرفض منطق جنرالات المقاهي، الذين أطلوا علينا عبر قنوات فضائية لا حصر لها، ليملوا على صانع القرار المصري تصوراتهم للتعامل مع الوضع الشائك الذي تفرضه جماعة الإخوان المسلمين، في مواجهة الشعب المصري كله. ولكننا في الوقت نفسه لا نستطيع أن نرفع أعيننا عن الموعد الذي ضربته مصر لنفسها مع المستقبل، مع العودة إلى البناء والإنتاج، مع الانتقال من بؤس العالم الثالث وتعاسته، إلى آليات عمل الدول المنخرطة في مسار التقدم والتنوير.

ولسنا نشك في أن تحقق هذا الموعد يمر بسلسلة من القرارات الصعبة، التي سنرى في غمار اتخاذها وتنفيذها أي صانع للقرار سيفرض حضوره على الساحة السياسية في مصر. وكلنا أمل في أن يكون تجسيداً للآليات التي اختارها الشعب المصري، عندما اندفع بالملايين إلى الشوارع والميادين.