بينما تدفق الملايين من أبناء مصر إلى الميادين، على امتداد مدن بلادهم، لتأكيد إرادتهم، التي تقضي بأن تنطلق مسيرة بلادهم إلى المستقبل، بعيداً عن الطغيان الذي أرادته جماعة الإخوان المسلمين طريقة للحياة وللحكم، كان الكثيرون من مختلف أرجاء الدنيا يتابعون ما يجري في مصر لحظة بلحظة، لأنهم يعلمون أن ما ستصل إليه مصر، في نهاية المطاف، سيترك بصمات قوية في العديد من أرجاء العالم.

لكن قبل أن يبدأ المصريون مسيرتهم إلى المستقبل، قبل أن يعودوا إلى مواقع الإنتاج والبناء بعد التخلص من الركام والحطام، وقبل أن ينضموا إلى مسيرة الشعوب التي ضربت مع المستقبل موعداً لا تخلفه، فمن المؤكد أن عليهم أن يواجهوا مجموعة من الحقائق، التي لا بد لهم من التعامل معها بأقصى قدر ممكن من الحكمة والتدبر والحرص.

الحقيقة الأولى الواضحة في هذا الصدد، هي أن جماعة الإخوان المسلمين لن تختفي فجأة من المشهد السياسي المصري، وكأنها مضت في ظلال المغيب نحو النسيان، فهي في نهاية المطاف حركة سياسية تنتمي إلى أيديولوجية تقوم على التصلب والبعد التام عن المرونة.

هل يعني هذا أن طريقها نحو المغيب أو النسيان لا بد له من أن يمر بالدماء، على نحو ما شهدناه من مبادرة كوادرها إلى اعتماد السلاح أداة للإعلان بالحضور؟ ليس تماماً، فمن المحقق أن القوى الوطنية المصرية قادرة على مخاطبة الأجنحة غير القطبية في حركة الإخوان، وبصفة خاصة شبابها، وإقناعهم بأنهم إذا أرادوا أن يكون لهم مكان في المستقبل، ليس مستقبل مصر وحدها وإنما مستقبل العديد من الدول على امتداد العالم الإسلامي، فإن عليهم الدخول في حوار مع القوى الوطنية المصرية، وليس في صراع دموي يتقصدونه ويسعون إليه، رغم أنهم يعرفون أنهم لن يكونوا إلا الطرف الخاسر فيه.

الحقيقة الثانية هي أن الحرية ليست منحة تقدم للشعوب، وإنما الشعوب تنزعها، وتدفع ثمنها، والشعب المصري ليس استثناء من هذه القاعدة الإنسانية، والملايين التي احتشدت في ميدان التحرير، أخيراً، إنما ارتفع صوتها عالياً ليؤكد استعدادها للتضحية من أجل مستقبل أفضل لمصر والمصريين.

الحقيقة الثالثة، أنه يتعين على القوى الأخرى في التيار الديني في مصر، أن تدرك أن الحوار حول مستقبل مصر ليس جلسة محاصصة، ولا التفافاً على مائدة تقاسم للمناصب والغنائم، وإنما هو وضع لجدول أعمال من أجل مصر المستقبل، ولا مكان فيه للساعي للمكاسب على حساب مصر.

الحقيقة الرابعة، هي أن الطريق إلى مستقبل مصر يمر بالشباب أولاً، فهم الذين وقفوا وراء الثورة، عبر اختلاف موجاتها، وهم الصانع الحقيقي لفجر الثلاثين من يونيو، وبالتالي فإنهم على موعد مع المسؤولية، ومع النصيب الأكبر من مهام اللقاء مع المستقبل، وخوض غمار المعنى نحوه.

وتتعدد الحقائق، ولكنها تصب جميعها في التأكيد على أن الطريق إلى المستقبل يمر بالصمود اليوم، وبالاستعداد للتضحية، وبالحرص على ألا يعرف الوطن لحظة انكسار واحدة.