لم يقدر ليوم أن يلقي بظلال ثقيلة على التاريخ العربي الحديث كما قدر للخامس من يونيو عام 1967، وبمعنى من المعاني فإن تلك الظهيرة المتشحة بالسواد من ذلك اليوم لاتزال تواصل حضورها في وجدان الملايين من أبناء الأمة العربية، استيعاباً لدروسها ورفضاً لنتائجها.
دعنا نتذكر التأثير الهائل للهزيمة في الزعيم العربي جمال عبدالناصر، فكلنا نتذكر خطاب التنحي الشهير الذي ألقاه، وكيف اندفعت الجماهير بتلقائية مذهلة تتظاهر مطالبة إياه بالبقاء في موقعه، ليشمر الرجل عن ساعديه، ويبدأ على الفور في العمل للتصدي للهزيمة وتجاوز آثارها، انطلاقاً من إعادة بناء المؤسسة العسكرية المصرية ووضع الاستراتيجية التي بلغت ذروتها في حرب أكتوبر 1973.
لكننا، على الرغم من ذلك، لا نستطيع أن ننسى تصريح العاهل الأردني الراحل الملك حسين في حوار شهير، بأن عبدالناصر قد مات في ذلك اليوم، ولا يغيب عن ذاكرتنا قول الزعيم اليوغسلافي جوزيف بروز تيتو للقادة السوفييت في 11 يوليو 1967: «ينبغي أن ندرك أن ناصر لايزال في حالة صدمة، ولست أدري ما إذا كان من الممكن الحديث معه».
عبدالناصر هو نفسه الذي ما لبث أن تصور الصراع مع إسرائيل يمر في تلك المرحلة بثلاث مراحل، هي على التوالي المقاومة والرد والتحرير.
هذا التصور، الذي تحول إلى واقع، كان ثمرة لإصرار القيادة السياسية ولنضال الشعب المصري ورفضه لليأس.
الاستراتيجية المركبة التي تبنتها مصر كان المحتم أن تجمع بين التحرك العسكري والعمل السياسي، وهكذا انتقلت مصر من المقاومة إلى الردع، ودخلت حرب الاستنزاف بكل ضراوتها.
وهذا كله يطرح أمامنا سؤالاً مهماً: ما الذي كان عبدالناصر يعتزم القيام به حيال الاحتلال الإسرائيلي؟
إن أمامنا الكثير من الجدل، في معرض الرد على هذا السؤال، ولكن القضية الجوهرية هي أن إرادة القتال التي بلورها عبدالناصر، معبراً عن روح الشعب المصري، هي التي فرضت حضورها على الأرض في حرب أكتوبر.
اليوم نجد من بين أعداء عبدالناصر من ينتهزون ذكرى الخامس من يونيو ليجعلوها منطلقاً للهجوم على الزعيم العربي، ولإبراز الجوانب السلبية في تجربته التاريخية، وهو تلاعب لابد من فضحه وإحباطه.
وهؤلاء هم أنفسهم الذين يريدون دفع الشعب المصري اليوم إلى اليأس وإلى النكوص والتراجع في مواجهة التحديات. ولكنّ نظرة واحدة على الساحة السياسية المصرية اليوم، كفيلة بتأكيد رفض الشعب المصري لليأس والنكوص وإصراره على مواجهة التحديات، لأن هذا هو قدره ومصيره.
إن انتزاع إرادة الشعب المصري من بين يديه اليوم، شيء لا يقل خطورة عن هزيمة يونيو الفاجعة، والقوى الوطنية التي تجاوزت تلك الهزيمة قادرة على مواجهة التحديات الراهنة، لأنها ترفض اليأس، وتؤمن بمستقبل الأجيال المقبلة.
لهذا بالضبط فإن الذين أساؤوا قراءة مسيرة الشعب المصري، في ذلك المنعطف التاريخي، عليهم أن يدركوا أنه اليوم لا سبيل لكسر إرادته ولا للتلاعب بانطلاقه نحو المستقبل.