حرصت على حضور الجلسات العشر التي ضمتها الندوة السنوية، التي عقدتها مجلة «العربي» الكويتية أخيراً حول نصف قرن من النهضة الثقافية في شبه الجزيرة العربية ودول الخليج. وما كان يمكن في ختامها، إلا أن أجد نفسي أمام سؤال جوهري من المحتم الوصول إلى إجابات واضحة ومحددة عنه: ما هي ملامح مستقبل الثقافة في المنطقة؟
من المحقق أن الإجابة عن هذا السؤال مهمة صعبة، لا ينقصها التشابك ولا التعقيد، والخطوة الأولى للوصول إلى إنجازها هي أن نتلمس أبرز ملامح الحياة الثقافية في المنطقة أولاً، ومن ثم نبادر إلى استشراف آفاق المستقبل بخصوصها.
دعنا نسلم، ابتداء، بأن المشروع الثقافي في دول المنطقة هو أبعد ما يكون عن أن يعكس وضعية واحدة، وهذا أمر طبيعي ومنطقي ومتوقع، فهو في بعض هذه الدول غائب، لغياب مقوماته الأساسية، وفي غيرها يعيش حالة مما يمكن أن نصفه بالتمهل، وفي غيرها يعاني من حالة من الترهل، لا يبدو لها حل في الأفق القريب.
ومخاطبة المشروع الثقافي في المنطقة ومعالجة مشكلاته والدفع في اتجاه بلورته وظهوره، إذا كان يعاني من الغياب، أمر حتمي لا بد من إنجازه، وإن تعددت صعوباته وتكاثرت تعقيداته الآن أو غداً.
من المهم أيضاً أن نلاحظ أن دور المؤسسات الأهلية في الحياة الثقافية، وهو دور بالغ الأهمية منذ البدايات الباكرة في الحياة الثقافية في المنطقة في أوائل القرن العشرين وحتى اليوم، يعاني من أوجه قصور عدة، تعكس تراجعه، على الرغم من استمرار وجوده.
هذه الظاهرة ترتبط مباشرة بتراجع العمل التطوعي، فالحياة الثقافية في المنطقة، شأن العديد من جوانب العمل العام فيها، قامت على العمل التطوعي والمبادرة الفردية التي تستهدف خدمة الجماعة، أياً كانت التضحيات، لكننا لا نملك إلا أن نلاحظ انكماشاً في مد العمل التطوعي في السنوات الأخيرة، وهي ظاهرة جديرة بالتوقف عندها بالتساؤل والتحليل ومحاولة العلاج على نحو عاجل، باعتبار أن مجتمعات المنطقة لا تملك رفاهية ترك هذه الظاهرة تستشري.
وهناك ظاهرة إيجابية تفرض نفسها، ونتوقع أن تكون لها انعكاسات إيجابية في المستقبل، فهناك إدراك متزايد من جانب صانعي القرار في المنطقة، للأهمية الكبرى للنشاط الثقافي، ومن هنا شهدنا، في السنوات الأخيرة، انطلاق برامج ثقافية عملاقة، لها أهميتها الكبرى، وتعكس تأثيرات ملموسة على الحياة الثقافية في المنطقة، ونتوقع تزايدها واستمرارها في السنوات المقبلة.
أخيراً، لا نملك إلا التوقف عند الجهود المبذولة في عدد من دول المنطقة، لبلورة أشكال إبداعية ومتجددة من العمل الثقافي، تركز على ضمان أكبر مشاركة جماهيرية في الأنشطة الثقافية، من دون التنازل عن المستوى الرفيع لهذه الأنشطة، وهي جهود نأمل أن تستمر وتتعمق وتأتي بالمزيد من النتائج الإيجابية.