مخطئ من يتصور أن ثورات الربيع العربي، وخاصة الثورة المصرية، لم تحقق أية إنجازات، أو أنها قادت المجتمع فقط إلى الأسوأ، هذا رغم كل المشاكل التي تشهدها مصر الآن، والتي ظهر معظمها بعد الثورة، ما جعل البعض يتصور أنها نتاجها، في حين أنها، في رأينا، مجرد مخاض للثورة المستمرة. من أهم إنجازات الثورة المصرية، صعود الإخوان المسلمين للسلطة وانكشافهم على حقيقتهم.

فقد أثبتت الشهور الماضية أن وجود هذه الجماعة في الخفاء وفي الكهوف المظلمة، إنما هو خطر كبير على المجتمع، حيث لا يعرف العامة من الشعب عن هذه الجماعة سوى أنهم إخوان مسلمون، يعملون لإعلاء شأن الإسلام وتطبيق شريعة الله.

وهذا الاعتقاد كان هو السائد طيلة عقود طويلة مضت وهي تعمل في الظلام، وبصعودها على السطح انكشف أمرها، وتبين للناس انعدام العلاقة بين هذه الجماعة والدين، وأنها مجرد تنظيم سياسي تم إعداده ودعمه وتوجيهه من قبل جهات خارجية، مشكوك في نواياها تجاه مصر والعرب والمسلمين جميعاً.

وتبين هذا بوضوح في كل ما حدث ويحدث في مصر بعد الثورة، والذي لم يجد الشعب فيه أي صلة من بعيد أو قريب بالدين وبشريعة الله السمحاء، بل شاهد الشعب منهم القتل والبغي والفحشاء والفتنة والربا، والاستبداد بالسلطة، والاعتداء على القضاء، وانهيار الاقتصاد والجوع والفقر.

كما لمس في سياستهم الخارجية شبهات النفاق والتزلف لأعداء الوطن بشكل يثير شبهات العمالة والخيانة، إلى جانب الانكشاف الواضح لعدم قدرتهم على الحكم وإدارة البلاد، ما يؤكد الحقيقة التي تقول إن الجماعة لا تصلح إلا للعمل السري، بدليل أنها حتى الآن، ورغم الاتهامات المستمرة لهم من الداخل والخارج، يرفضون تماماً إشراك أي فصيل آخر معهم في السلطة..

وكيف يمكن لهم إشراك الآخرين معهم، وهم يقومون بعمل سري ويديرون الأمور لمصالحهم الشخصية ولمصالح جهات أخرى أبعد ما تكون عن مصلحة مصر وشعبها! كل هذه الحقائق الخطيرة، لم يكن للشعب المصري أن يعرفها لولا ثورة 25 يناير، التي أدت إلى إزاحة الستار عن هذه الجماعة وكشفتها على حقيقتها.

من أهم إنجازات الثورة المصرية أيضاً، أنها كشفت بوضوح زيف وكذب السياسة الأميركية في منطقتنا العربية، هذه السياسة التي تدعي الدفاع عن مصالح الشعوب وحقوق الإنسان والديمقراطية، في حين ذهبت واشنطن تدعم علناً تيارات الإسلام السياسي التي كانت منذ أحداث 11 سبتمبر 2001 تتهمها بالإرهاب والتطرف.

وتحشد جيوش العالم لمحاربتها، في حروب راح ضحيتها أكثر من مليون من القتلى العرب والمسلمين وملايين الجرحى والمشردين واللاجئين.. والآن أصبح الإسلام السياسي هو الحليف الأول لواشنطن، الذي تدافع عنه وتدعمه مادياً وسياسياً وعسكرياً.

 وهذه في رأينا من أكبر إنجازات الربيع العربي والثورات الشعبية، وعلى رأسها الثورة المصرية، فقد كشفت هذه الثورات كيف تتلون الأفعى التي كانت بالأمس القريب تدعم وتساند الأنظمة المستبدة وتصفها بالاعتدال، ثم انقلبت فجأة عليها لتركب موجة الثورات الشعبية وتدفع بحليفها «الإسلام السياسي» إلى الصدارة فيها. وللثورة المصرية إنجازات أخرى سنستعرضها، إن شاء الله، في مقالات قادمة..