يحفل المشهد العام في مصر بكل ما يمكن تصوره على الصعيد السياسي، باستثناء الشيء الوحيد الذي يريده رجل الشارع المصري حقاً، وهو الوصول إلى حد أدنى من الإجماع السياسي، يتيح لمصر أن تنهي مرحلة الانتقال، وتبادر للانتقال إلى مرحلة إعادة البناء وإنقاذ الاقتصاد.
الطابع الملح لهذا المطلب لدى رجل الشارع يرجع، بوضوح بالغ، إلى ما وصل إليه الاقتصاد المصري الآن، وما يمكن أن يصل إليه في المستقبل القريب، إذا لم تتم المبادرة بإعادة البناء.
تشير التقديرات الحديثة إلى أن هناك خمسة آلاف مصنع قد أغلقت أبوابها في مصر، بصورة مؤقتة أو نهائية، خلال العامين الماضيين، وهو ما يمكن تصور انعكاسه الهائل على وضعية البطالة التي كانت مرتفعة أصلاً.
المهتمون بالسياسات المالية والنقدية، لا يتوقفون عن الإشارة إلى أن الاحتياطي المصري من القطع الأجنبي، لن يعود له وجود في غضون ثلاثة أشهر، الأمر الذي يفرض ضغوطاً صادمة على قيمة الجنيه المصري في مواجهة الدولار على وجه خاص.
لكن الحقيقة البديهية تظل تدور حول استحالة حرق المراحل، فمن المستحيل الانطلاق إلى إعادة بناء الاقتصاد، بينما القوى السياسية في مصر تواصل تناحرها على النحو الذي نراه اليوم.
أول أسباب هذا التناحر، هو تخوف العديد من القوى السياسية من «اجتياح الأخونة» للدولة المصرية في كل هياكلها ومواقعها.
وإذا كانت صحيفة «المصري اليوم» قد تحدثت بالوقائع والأسماء والأرقام، في تحقيق شهير، عن اجتياح «الأخونة» لـ17 محافظة في مصر، فإن حزب النور، الذي يفترض أنه حليف جماعة الإخوان المسلمين، قد حذر من أن «الأخونة» تجتاح 27 محافظة.
وفي غضون ذلك، تتعدد اللقاءات والاجتماعات والإشارات إلى حكومة تتولى مسؤولية إجراء الانتخابات البرلمانية، باعتبار أن من المستحيل أن تقود الحكومة الراهنة سفينة العملية الانتخابية إلى بر الأمان، ويبرز اسم أيمن نور مرشحاً لرئاسة الحكومة المتوقعة.
وتدور اجتماعات بين أطراف شتى في الطيف السياسي المصري، لم يكن متصوراً عقدها بالأمس القريب، ولكن السؤال الحقيقي هو: ما الذي يمكن أن يسفر عنه هذا كله؟
إننا نعرف أن الكثيرين وقفوا بقوة خلال الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية، ليحولوا دون فوز الفريق أحمد شفيق، وذلك للحيلولة دون إعادة استحضار النظام القديم في إهاب جديد.
اليوم يجد الكثيرون في مصر أنفسهم أمام سيناريو أكثر سوءاً، ويفضي إلى المزيد من الانتكاس.
ومن المؤكد أنه إذا لم يتحقق الرحيل إلى المستقبل إنقاذاً لمصر، فإن ما سيظهر على الساحة سيكون ثورة جياع، لم تعرفها مصر في تاريخها، ونأمل ألا تفرض نفسها على مشهد يمكن أن يتداعى في أية لحظة.