يصنع الإنسان نجاحه من مجهوده الشخصي في عزمه على القيام بما هو فوق طاقته لكي يبزغ ويظهر تفوقه، وهذا ما جعل الناس تسعى لكسب المزيد من المعرفة والعلوم والعمل لساعات طوال لنيل المبتغى.

ولكن في هذا الزمن هناك ميزة يجب أن تتوفر في بعض الناجحين، وأفضل من يتقنها في العالم حسب الدراسات، هو الطفل، وهي ميزة "تسويق الذات" في تضخيم ما قام به والحديث عنه في كل مكان. وما استوقفني عند هذا الأمر، هو زيارتي لمصر أخيراً لحضور مؤتمر يضم مجموعة مما يمكن أن يطلق عليهم النخب الإعلامية في الوطن العربي، وتخلل البرنامج وجود الرئيس الفلسطيني محمود عباس في القاهرة لمباحثات المصالحة الفلسطينية ومقابلة الرئيس المصري محمد مرسي. وما شدني خلال اللقاءين، هو ما أظهرته مجموعة كبيرة من الوفود من عدم اهتمام لما يقوله الرئيسان، بل كان جل همهم التقاط صورة معهما لكي ينشروها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أو يضعوها في مكاتبهم ليكسبوا بها جاذبية واهتمام الآخرين، وكأن الصورة هي التي تعطي الشخص جاذبيته وليس إنجازاته وفكره.

بدا المشهد كتصرف المراهقين الذين يترامون على نجوم الفن والكرة، هذا الموقف أرجعني بالذاكرة للعديد من المواقف التي مرت علي. وأبرزها، حين طلب أحد المسؤولين، كانت لي صلة معه، أن أعمل معه في المؤسسة نفسها ولكن في إدارة مختلفة، وقام بإعداد موعد مع مدير الإدارة ومدير شؤون الموظفين، وكانت وصيته لي: "اكشخ"، أي ارتدِ ملابس جديدة وأفضل ساعة لديك، ولا تنسَ أن تتعطر وتضع "دهن العود"، وأفرد صدرك عند الدخول عليهم وكأنك أنت المسؤول! فاندهشت، ولكنه رد علي: هم يحبون المظاهر وهي من الأولويات..

ولكني في النهاية اعتذرت. وتحضرني حادثة أخرى ارتبطت فيها بفريق عمل يقوم بتنظيم منتدى، وكان أحد أفراد هذا الفريق صديقاً لي وطلب مني أن أساعده في وضع محاور الجلسات وأسماء المتحدثين، ما جعلني في تواصل طول الفترة مع الفريق ومعرفة بمجريات الأمور وسير التحضيرات، وعند افتتاح المنتدى رأيت "المسؤول الأول" الذي لم يكن يعلم بأي شيء عدا موعد انعقاد المؤتمر، والابتسامة تزين محياه للناس، حتى أنه طلب من صديقي إعطاء الصحافيين نبذة عن المنتدى وأهدافه.

وكانت الصدمة في آخر يوم من المنتدى، فخلال جلوسي على إحدى الطاولات مع مجموعة من الحضور ينتظرون التوصيات، تحدثوا عن "المسؤول الأول" وراحوا يمتدحونه ويصفون حنكته وثقافته، وكيف أنه اختار المحاور بصورة صحيحة حسب الأحداث والمستجدات، وكيف كان التنظيم مميزاً وحصل على كل التقدير، بالإضافة إلى الصورة التي التقطت في المنتدى له مع الضيف المسؤول الكبير والمرموق، والتي وضعها في مكتبه ليراها ضيوفه ويعرفوا إنجازاته.

وهنا ضاعت حقوق الذين عانوا طوال هذه الفترة وهم يعملون بجد لإنجاح المنتدى، ولكنهم لم يقطفوا الثمرة المعنوية، بل راكموا المعرفة والخبرة التي اكتسبوها.. فكم من مسؤول أوصله حسن التسويق لعمله ولذاته، أو سرق عمل غيره ونسبه لنفسه.