سبق لنا أن حذرنا من أن فلاحي مصر قد أصحبوا يتصدرون قائمة المنسيين على أرضها، وأن عُمالها غدوا في صفوف المهمشين، وأن مثقفيها يتعرضون للنفي داخلها وخارجها على السواء، وأن أبناء عشوائياتها يتحولون إلى قنبلة موقوتة تنذر بالانفجار في أي لحظة.

اليوم لا بد لنا من الحديث عن المؤسسة التي تعد بامتياز المؤسسة الأكثر أهمية في مصر، وهي المؤسسة العسكرية المصرية.

المشكلة الحقيقية في الكتابة عن المؤسسة العسكرية المصرية، هي أنني والكثيرين من أبناء جيلي لا نستطيع الكتابة بموضوعية عنها، لأن معظمنا خدموا في صفوفها مدداً تدور حول حرب أكتوبر، يصل متوسطها إلى قرابة عقد من الزمان، ومن ثم فهي بالنسبة لنا البيت الذي أمضينا فيه أفضل سنوات أعمارنا، وحين خرجنا من هذا البيت ظللنا نحمل، حتى نهاية العمر، القيم التي غرست في ضمائرنا خلال وجودنا تحت سقفه.

من هنا، على وجه الدقة، كان انزعاج الكثيرين من أبناء جيلي لدى تورط قيادة المؤسسة العسكرية المصرية، متمثلة في المجلس العسكري الأعلى، في العمل السياسي المباشر، وهو عمل لا يندرج في صميم مهام هذه المؤسسة، كما أن قياداتها ليس لها باع طويل فيه، ومن ثم تابعنا التعثرات المتوالية للمجلس بكثير من الانزعاج، الذي تصاعد عندما ترددت في الشارع المصري أصداء هتافات من قبيل «يسقط حكم العسكر»، وهي هتافات رأيناها في غير موضعها.

الغموض لا يزال يحيط بالطريقة التي تمت بها تنحية قيادات هذه المؤسسة عن مناصبهم، وربما كان التاريخ وحده هو الذي سيكشف النقاب عن تفاصيل ما جرى، ولكن ما أرَّق الكثيرين في مصر في هذا الذي جرى، هو مدى المساهمة الأميركية فيه، مقارنة بمدى مساهمة مؤسسة الرئاسة.

أياً كان الأمر، فإن الذي يعني الأغلبية الساحقة من أبناء الشعب المصري، هو أن يظل الجيش المصري حقاً سيف مصر ودرعها، وألا يؤثر أي متغير كائناً ما كان في قدرته على أداء دوره وواجبه.

وقلق هذه الأغلبية على الجيش المصري نابع من أمور عدة، أولها أن ما شهدته سيناء وتشهده من تطورات لا يمكن إلا أن يثير التساؤلات، وهي تساؤلات لا تزال حتى الآن بلا ردود ولا إيضاح ولا تفسير.

ومن مصادر هذا القلق أيضاً، أن مصر شهدت تدفقاً للسلاح بطرق غير مشروعة لم تعرفها في تاريخها الحديث، الأمر الذي يضع الاحتكار التاريخي من جانب الدولة وحدها للسلاح موضع التساؤل.

هناك مصدر قديم للقلق، من المؤكد أنه سيتفاقم بشكل أكبر، فالمصدر الرئيسي لتسليح الجيش المصري منذ عقود هو الولايات المتحدة، وهذا المصدر لا يخفي أن هناك قاعدة يلتزم بها، هي ألا يتجاوز تسليح الجيوش العربية كلها بحال تسليح إسرائيل. إنني أعرف، بالطبع، أن رجال الجيش المصري الذي خدمت تحت علمه في السبعينات، مختلفون عن رجاله اليوم، ولكنني أعرف أنهم في كل العصور كانوا رجالاً صامدين، يحملون أرواحهم على أكفهم، ولا يهابون مواجهة الموت، لأن تضحياتهم كانت دوماً من أجل وطن يعتزون بالانتماء إليه، ويشرفهم أن يكونوا في خدمته.

وأنا على يقين من أن الملايين، على امتداد عالمنا العربي، يعرفون أن قوة هؤلاء الصامدين في نبل وفي صمت هي قوة لهم يمكنهم الاعتماد عليها في الملمات ومهما ادلهمّ الزمن الصعب.