بعد صعود الإخوان للحكم في مصر مباشرة في العام الماضي، كتبت مقالاً تحت عنوان "الإخوان والصعود للهاوية"، وانتقدني البعض واتهمني بالتسرع في الحكم عليهم بعد أيام قليلة من توليهم الحكم.
والآن وبعد أكثر من نصف عام لهم في الحكم، أسمع الكثيرين يستخدمون نفس العبارة "صعود الإخوان للهاوية"، وليس أعداء الإخوان والكارهون لهم ولحكمهم هم فقط من يتنبأ باقتراب سقوط حكم الإخوان في مصر، بل إن الكثيرين من مؤيديهم ومن أنصارهم وأيضاً من حلفائهم في الخارج يتوقعون هذا الأمر.
وعلى رأسهم الأميركان الذين شككوا، أثناء أزمة الإعلان الدستوري وحصار الاتحادية منذ شهر مضى، في إمكانية استمرار الإخوان في الحكم، الأمر الذي دفع الجماعة لإرسال ممثليها إلى واشنطن لتقديم فروض الطاعة والولاء والتأكيد على مقدرتهم على الاستمرار، وسمعنا تصريحات القيادي البارز وعضو مكتب الإرشاد في الجماعة عصام العريان، يصرح للأميركان في واشنطن بأن "الإخوان في مصر هم أكبر ضمانة لأمن إسرائيل"، وتنقل وسائل الإعلام الأميركية تصريحاته للعالم كله، ويعود إلى مصر ليفجر قنبلته حول عودة اليهود الإسرائيليين لمصر وتعويضهم عن خسائر هجرتهم.
فترة الستة أشهر الماضية من حكم الإخوان، أثبتت بما لا يدعو للشك عدم قدرتهم على إدارة البلاد، حيث لم يهدأ الشارع المصري يوماً واحداً عن التظاهرات والاعتصامات والاحتجاجات ضد حكمهم. ولم يتعظ الإخوان من هذا الأمر ويحسنوا من أدائهم، بل استمروا في أخطائهم التي لا تتوقف، وقد غرتهم صناديق الانتخابات والاستفتاءات، وهذا يعكس عدم قدرتهم على استيعاب الثورة المصرية التي ركبوا موجتها ولم يشاركوا فيها..
هذه الثورة التي استطاعت في بضعة أيام إسقاط حكم مبارك الذي دام ثلاثين عاما، والذي كان يملك من القوة والعدد والعتاد ما لا يملك الإخوان ولا جزءاً بسيط منه، وميليشيات الإخوان وبلطجيتهم ليسوا أقوى من أجهزة أمن مبارك، ولا يستطيعون أن يواجهوا حشود الثوار المليونية، أما الملايين التي صوتت لهم في الصناديق فلم يكونوا في الواقع أعداء لنظام مبارك.
ولا علاقة لهم بالثوار، بل هم من أنصار الهدوء والسكينة والرضى بالأمر الواقع، وهؤلاء يختفون تماماً أثناء الثورات ويجلسون في بيوتهم ينتظرون النتائج ويتقبلونها كأمر واقع. وإذا كان أعضاء جماعة الإخوان عددهم نحو نصف مليون.
كما يدعون، فإن أعضاء حزب مبارك كانوا أضعاف ذلك، وكانت معهم جيوش الأمن، وكان قطاع كبير من الشعب مستفيداً من نظام مبارك، ورغم هذا نجح ثوار ميدان التحرير في إسقاطه، ولم ينفعه الأميركان ولا الصهاينة الذين يتقرب الإخوان إليهم الآن علناً.
الإخوان يعلمون جيداً أن سقوط حكمهم يعني رحيلهم من الساحة تماماً وإلى الأبد، فقد كشفوا كل أوراقهم، وسقطت أقنعتهم كلها، ولم تعد شعاراتهم الدينية الكاذبة تقنع أحداً. وأياً كان ثمن سقوطهم، فالثوار مستعدون لدفعه "كاش" في الميدان بدمائهم.
كانت أمام الإخوان فرصة لحكم مصر وأهدروها بانتهازيتهم السياسية وجهلهم بشؤون الحكم، وتعاملهم مع الأمور بأساليب قديمة وبالية، لا تتناسب إطلاقاً مع تطورات العصر وتقنياته الحديثة.