على سبيل ملاحقة الحدث الخفي الذي لا يتصدر نشرات الأخبار، بل أجندات ما خلف الأبواب المغلقة، تجري في السر حرب ربما على وشك الظهور إلى العلن، هي حرب إلكترونية أشد شراسة من الحرب التقليدية، حيث الميزانية والجهود وكمية الأعصاب المصروفة.
كان لافتاً قبل نحو شهر ونصف الشهر، تزامن تصريحات وزير الدفاع الأميركي ليون بانيتا ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، بشأن بدء إيران حرباً إلكترونية ضد الطرفين على حد سواء.
ورغم التحذيرات الأخيرة التي أطلقها وزير الدفاع الإيراني، من أن نشر بطاريات صواريخ «باتريوت» على الحدود التركية السورية من شأنه إشعال حرب عالمية، إلا أن هذه الحرب على المستوى الإلكتروني بدأت بالفعل حين نجح فيروس «ستكسنت» في استهداف برنامج تخصيب اليورانيوم الإيراني، الأمر الذي دفع السلطات الإيرانية في مارس الماضي، بحسب التقارير الغربية، إلى تشكيل «المجلس الأعلى للإنترنت» ورصد مليار دولار ميزانية لهذا المجلس، الذي شكل مظلة لنحو ست هيئات فرعية تتبع الجيش ومكتب الرئاسة وميليشيا «باسيدج»، إضافة إلى هيئة الاتصالات الرسمية.
وما يدل على شراسة الحرب الجارية على الشبكة، هو تركيز مجلس الإنترنت الإيراني على تطوير شبكة منفصلة عن الشبكة العنكبوتية العالمية، وخلق نظام دفاعي تحصيني للشبكة الإيرانية، وبناء قدرات هجومية على مواقع الخصم.
ولم تغفل إيران التي تتاخم مناطق «الربيع العربي»، مدى فداحة تأثير الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي في إشعال حركات التمرد والثورة، فخصصت فرقاً إلكترونية لرصد كل ما يتم تداوله في فضائها الإلكتروني الداخلي ومقاهي الإنترنت في البلاد.
ولا تني التقارير الإسرائيلية تدس بعض التسريبات التحريضية ضد «الجيش الإلكتروني الإيراني»، من مثل إلصاق تهمة الهجوم على شركة «ديجينوتار» الهولندية في 2011، ما مكنها من اختراق أكثر من 300 ألف حاسوب غالبيتها داخل إيران، إضافة إلى هجوم على سلسلة مواقع مصرفية في الولايات المتحدة ومواقع تجارية عربية أيضاً.
ربما كان في اندلاع الحرب الإلكترونية هذه بعض التطمينات، بما تحمله من إمكان البعد عن الحرب التقليدية، وقصر النزاع الغربي الإيراني على ما يشبه الكر والفر الإلكتروني، تجهد طهران في إطاره في الدفاع عن نظامها وسياستها وبرنامجها النووي، بينما تركز القوى الاستخبارية الغربية في محاولة تعطيل برامج وخطط إيران عبر هجمات الفيروسات العنكبوتية، وكفى المنطقة شرور ويلات جديدة.
لكن بصيص الأمل هذا مهدد بالانطفاء لعاملين: الأول يتصل بالنهم الاحتكاري الغربي للتكنولوجيا فائقة التطور، والحرص على بقاء الشبكة العنكبوتية الأم مصدر المعلومة والتواصل في الفضاء الإلكتروني الكوني، وأي انفصال عنها يعني تمرداً يكبد خسائر بمليارات الدولارات، والعامل الثاني أن الحرب الإلكترونية ما هي إلا وسيلة أو أداة من أدوات التهيئة للحسم التقليدي.
والتهيئة البغيضة في نهج التأزيم الكوني الجاري، تسير بالتوازي مع الصراع الإلكتروني: اشتعال الساحات المؤيدة لإيران في المنطقة بهدف الوصول إلى عزلها والاستفراد بها لاحقاً، في مقابل إلقاء طهران بكامل ثقلها لتمكين النظم الحليفة لها من الصمود لأطول فترة ممكنة، تشويشاً على ما يحاك لها في العلن هذه المرة.