الملايين، في مختلف أرجاء مصر وعلى امتداد العالم العربي، روّعهم أن يتصاعد الاختلاف بين التيارات السياسية في مصر، ليصل إلى حد الاحتكام إلى العنف والاقتتال في الشوارع والميادين، من دون أن تبدو في الأفق إمكانية التوصل إلى حل سياسي لأزمة تزداد تعقيداً مع مطلع شمس كل يوم جديد.

دعنا نسلم، ابتداء، بأن الشارع المصري شهد حالة من التجاذب والاستقطاب لم يسبق لها مثيل، وأن هذه الحالة توجت بصدامات أسفرت عن مصرع عدد من المتظاهرين وجرح مئات غيرهم، وذلك حول أماكن هي بمثابة رموز لا ينبغي الاقتراب منها أو المساس بها، دع جانباً حصارها أو محاولة اقتحامها، وفي صدارتها قصر الاتحادية الرئاسي ومقر المحكمة الدستورية العليا، التي منع المتظاهرون حولها قضاتها من ممارسة عملهم.

دعنا نسلم، أيضاً، بأن هناك من قيادات الجماعات والأحزاب السياسية في مصر، من رأى في نشر تجمعات أقرب إلى الميليشيات شبه العسكرية في شوارع مصر، أداة مقبولة من منظوره للحركة السياسية ولتوصيل رسالته إلى الشارع.

دعنا نبادر إلى القول إن محاولات صانع القرار في مصر لاحتواء الأزمة، كانت أبعد ما تكون عن المرونة وسعة الأفق المطلوبين في مواجهة مواقف على هذا القدر من التعقيد، وأنه حتى عندما تم الانتقال إلى الحوار في مرحلة من المراحل فإنه كان أقرب إلى حوار مع الذات، أو مع شخصيات لا تمثل إلا ذاتها، بينما ظلت أطراف أصيلة كان ينبغي أن تكون المشارك الرئيسي في الحوار، بعيدة تماماً عنه، الأمر الذي يعني في النهاية أن القرارات التي صدرت في نهاية الحوار ظلت بعيدة عن حسم الأزمة.

دعنا نسلم أيضاً بأن النخبة ملأت الفضائيات بالكلمات الكبيرة والتعبيرات الصدامية الصارخة، من قبيل وصف الدكتور محمد بديع، المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، لتحرك القوى الوطنية بأنه ظلم وفساد، من دون أن يتوقف رموز هذه النخبة ليسألوا أنفسهم: إلى أين يفضي هذا كله؟

في مواجهة هذا كله، من حق الملايين في مصر الذين يتربص الخطر بمستقبلهم، أن يطرحوا السؤال الأكثر أهمية: هل يدري أولئك الذين يتسابقون في مسيرة العنف إلى أي هوة يدفعون مصر؟

إن العنف الذي رأيناه يتوج بالدم في الشوارع والميادين، هو انتهاك مروع لكل التقاليد التي درج الشعب المصري على العمل بها، منذ عهود بعيدة، بل يمكننا القول إنه انتهاك لروح مصر ولعبقريتها، التي كفلت لها الصمود في مواجهة أصعب الظروف على امتداد تاريخها.

لقد انقضى قرابة العامين منذ انطلاق ثورة الخامس والعشرين من يناير، ولا تزال قطاعات عريضة من الشعب المصري ترى أن مطلبها الأول والأصيل، وهو اقتران الخبز بالعدل الاجتماعي والحرية، لم يتحقق، ولا يبدو أنه سيتحقق قريباً.

ومن حق هذه القطاعات أن تتساءل عما يوجد في نهاية النفق الذي تمر به مصر، وأن تتطلع إلى أن ترى هناك بارقة من نور، على أقل تقدير.