الذين يتابعون، باهتمام وتفهم، التطورات التي طرأت على المشهد السياسي المصري، في الأيام القليلة الماضية، لا بد أنهم قد صدموا، لأنهم وجدوا أنفسهم حيال انقسامات وصدامات كالتي شهدتها ميادين المدن المصرية قبل قرابة عامين، وكأن مصر ظلت تراوح في مكانها طوال هذه الشهور، ولم تتقدم خطوة واحدة نحو الإجمال الوطني، الذي يفضي إلى عودة أبنائها جميعاً على قلب رجل واحد إلى مصانعهم ومزارعهم ومواقع عملهم وإنتاجهم، لبدء مسيرة إنقاذ الاقتصاد المصري، والانطلاق نحو إنجاز «النهضة»، كما آثر البعض التعبير عنها.
لكن هذه العودة إلى المربع الأول، ما كان يمكن إلا أن تكون شيئاً حتمياً، طالما أن بالإمكان أن يشهد الأفق السياسي المصري شيئاً كالإعلان الدستوري، الذي صدر عن مؤسسة الرئاسة المصرية يوم الخميس الماضي، والذي شق الشارع السياسي المصري ما بين مؤيدين له، ينتمون في المقام الأول إلى جماعة الإخوان المسلمين، وبين 35 حركة وحزباً مدنياً أعلنت اعتصام كوادرها حتى إسقاط هذا الإعلان الدستوري، الذي لم يتردد البعض في وصفه بأنه يشكل انقلاباً على كل منجزات ثورة الخامس والعشرين من يناير، وأنه لا نظير له في التاريخ الدستوري للعالم كله.
وبغض النظر عن تقييم نتائج ما وصف بأنه «لقاء الأزمة» بين الرئيس المصري دكتور محمد مرسي، والقضاة الذين اعتبروا الإعلان الدستوري مذبحة جديدة لهم، وبغض النظر عما أكدته مؤسسة الرئاسة، من أن الإعلان الدستوري مؤقت، وليست له صفة الدوام، فإن الأمر الخطير حتماً، هو أن من الممكن أن يصدر مثل هذا الإعلان أصلاً، وأن يشق طريقه إلى التنفيذ، وفي غمار ذلك أن يمزق صفوف الحركة الوطنية المصرية على هذا النحو، ويصل بها إلى مشارف الحرب الأهلية.
ليس من قبيل الصدفة أن يبادر بعض المحللين السياسيين إلى تشبيه هذا الإعلان الدستوري بقانون «لي شابليه» في مسار الثورة الفرنسية، والذي نكل بقوى الثورة، وكأنما في عملية تصفية حساب وحشية لا مثيل لها.
ومن دون العودة إلى المقارنات التاريخية، على الرغم من دقتها، فإن خطورة الإعلان الدستوري تكمن في أنه يضع موضع التطبيق العملي على الأرض، إمكانية تنفيذ سلاسل لا حصر لها من عمليات البطش بالقوى الوطنية، ويجعل من الإلغاء الكلي للمعارضة، عبر الإجراءات الاستثنائية، ومصادرة صلاحيات القضاء، أمراً وارداً في مصر.
بكثير من القلق يتابع الذين أحبوا مصر، ويعلقون الكثير من الآمال على قدراتها، وعلى انطلاقها إلى مرحلة جديدة من التقدم والإنتاج والتأثير الإيجابي في محيطها الإقليمي. ما يجري في ميادينها، ورغم كل المرارة، فإنه لا يزال في الأفق أمل، ولو محدود، في أن تعود مصر إلى مسيرتها، وأن تتجاوز هذه العثرة المروعة، التي نأمل أن تكون شيئاً مؤقتاً، يمكن تجاوزه في القريب العاجل.