منذ جورج بوش الأب نجم الجمهوريين الأميركيين، إلى آخر نجوم الديمقراطيين باراك أوباما، تختلف إدارات البيت الأبيض والسيناريو واحد، وتحديداً تجاه إسرائيل.

بعد حرب العراق مباشرة، ارتفعت وتيرة المشاحنات بين اسحق شامير رئيس وزراء إسرائيل حينها وإدارة بوش الأب، ما اضطر الأخير إلى جر شامير جراً إلى مؤتمر مدريد للسلام، وسط تحليلات وتسريبات متعاقبة عن تواطؤ منظومة «باتريوت» الأميركية الدفاعية مع بعض صواريخ صدام حسين التي ضربت تل أبيب، لترويض الرأي العام الإسرائيلي بأن دبابات جيشهم «الذي لا يقهر» ليس في مقدورها ضمان أمنهم في عصر الصواريخ البالستية.

في راهن إدارة أوباما الثانية، والتي منحها العرف الأميركي بحبوحة أكبر في وجه ضغوط «اللوبيات»، لكن بالطبع في ظل الاستراتيجية المولودة في غرف الأجهزة المغلقة، تتبدى ذات ملامح السيناريو: عصف سياسي وقصف صاروخي ومؤتمر سلام. سارع رئيس مصر محمد مرسي لإرسال رئيس وزرائه إلى غزة، بعد إجراء سحب السفير الاعتيادي منذ عهد حسني مبارك، من دون مساءلة حكومة بنيامين نتانياهو عن «خديعة التهدئة» وزج حكومة مرسي في التوسط من أجل هذه التهدئة، بينما كانت الطائرات الإسرائيلية تترصد قادة حركة «حماس» العسكريين.

لكن السيناريو يمضي بغض النظر عن التكهنات بتعرض الحكومة المصرية كما «حماس» للخديعة، أو تمريرها. وها هو الجيش الإسرائيلي يتمكن من أهم قادة «حماس» ويشغّل نظام «القبة الحديدية» الصاروخي الدفاعي، والذي صرفت إسرائيل مبالغ طائلة في تصنيعه، طبعاً بأموال دافعي الضرائب الأميركيين، حتى إنها اضطرت للاستعانة بالخبرات العسكرية الأميركية، بعد فشل نحو ثلاث تجارب لهذه القبة.

العدوان المتجدد على غزة يقول بتحقيق أهدافه: اغتيال قائد أركان كتائب عز الدين القسام الجناح العسكري لـ«حماس» أحمد الجعبري، وقصف مخازن وقواعد الصواريخ كون غالبية الغارات ضربت مناطق غير مأهولة بالسكان.

ثم، وهو الأهم بالنسبة لدولة العدوان والاحتلال والتي تتحضر لسيناريوهات حربية أشد وقعاً لمحت إليها بالتهديد بضرب مفاعلات إيران النووية، الأهم هو مزاعمها عن نجاح «القبة الحديدية» في اعتراض معظم صواريخ المقاومة الفلسطينية التي انطلقت من غزة. إن كانت مرامي الاحتلال من هذا «التحرش العسكري» هي الكشف عن قدرات «حماس» الصاروخية في ظل الانفصال الأخير للحركة عن محور سوريا وإيران، فإن الغريب هو نجاح القبة الإسرائيلية هذه في اعتراض صواريخ قصيرة المدى وبقوة تفجيرية متواضعة، في مقابل فشلها في اعتراض صواريخ أبعد مدى وبقوة تفجيرية أكبر، كتلك التي استهدفت تل أبيب والقدس الغربية.

هل هي محاكاة لتجربة صواريخ صدام قبل 22 عاماً؟

العدوان الحالي على غزة يمحو آثار الجرح الفلسطيني الداخلي، بعدما تظاهرت رام الله ضده، ويمهد المناخ السياسي بفعل شعور العزلة، لتغيير «حماس» ثقافة التصلب والسعي الجاد نحو المصالحة مع السلطة الفلسطينية، تمهيداً لإجراء انتخابات تشريعية تحظى بشرعية تمثيلية أوسع، وتالياً بالطبع المسارعة إلى مؤتمر سلام جديد.

السيناريو ذاته في الأفق، ما لم تؤخره تداعيات «الربيع العربي»، والإخراج ذاته وحتى المؤثرات، ما ينذر بالنتيجة الخائبة ذاتها.