الفريد فرج واحد من أعمدة المسرح العربي بامتياز، وكنت من أبناء ذلك الجيل المحظوظ الذي درس على يد آخر الليبراليين العظام في جامعات مصر، وأتيح له في الوقت نفسه أن يتجاذب أطراف الحوار مع كبار المسرحيين والسينمائيين والتشكيليين والمعماريين المصريين، قبل أربعة عقود من الزمن. وكان في مقدمة هؤلاء الفريد فرج، الذي لم يكن يضن بالعطاء من كنوز فهمه للتراجيديا واغتراف الكوميديا من التراث العربي لإغناء المسرح العربي الحديث.

لهذا، بالضبط، كنت مع الكثيرين غيري ممن أسعدهم اللقاء بالمسرحي الكبير، عندما حضر إلى الإمارات مع فوزه بجائزة العويس الثقافية، وقد بادرنا للاحتفاء بالرجل وتكريمه، وتجمعنا حوله في مقهى الفندق الذي نزل به، وكان عددنا كبيراً إلى حد يتعذر معه أن نجد مقعداً واحداً خالياً في المقهى.

لما كنت جالساً يومها قريباً من المبدع العربي الكبير، فقد لاحظت أنه شرد قليلاً، وغاب بناظريه كمن يتأمل لوحة في الأفق البعيد، ولما سألته فيم يفكر وإلى أي أفق حمله الشرود، عاد ليتحدث بأسلوبه الضاحك المفعم بالود.

الكاتب الكبير صارحنا يومها بأن ما حمله على الشرود كان تأمله لفكرة قوامها أن مصر لا بد أن تكون بلداً شديد الثراء، على نحو يتحدى الخيال.

كنا، نحن أبناء الفريد فرج وتلاميذه ومحبيه، قد سمعنا بالكثير من الأوصاف في مدح مصر والإشادة بها، ولكن الثراء الشديد على نحو يتحدى الخيال، في زمننا ذاك الذي نتحدث عنه، والذي كان قاب قوسين أو أدنى من الانفتاح الاقتصادي، الذي عرف بانفتاح السداح مداح، لم يكن من بين تلك الأوصاف، وهذا بالضبط ما قلناه للعم الفريد فرج.

رد الرجل باسماً، بهدوء الأستاذ الذي لا يملك إلا الصبر حيال مستمعين لم يفهموا ما يقصده، قائلاً إن بلداً ظل على مدى قرون يتعرّض للنهب والاستغلال والفساد والسرقة، ثم يستطيع رغم هذا كله أن يواصل الوقوف على قدميه والوفاء بالتزاماته وإطعام أبنائه، لا بد أن يكون بلداً ثرياً، بل شديد الثراء على نحو يتحدى الخيال، كما قال يومها.

اليوم، وبينما تتكشف أسرار الثلاثين عاماً الماضية، وما شهدته من فساد ونهب مرعبين، يبدو فساد الانفتاح بجوارهما شيئاً شديد التواضع حقاً، لا نملك إلا أن نتذكر الفريد فرج والفكرة التي دفعته إلى الشرود بعيداً وراء مصير وطنه.

اليوم، وبينما تحدق المخاطر ببلد لا يعدو تاريخه أن يكون مسيرة لا تنتهي من النضال والكفاح والنهوض من الشدائد لمواجهة ما يفوقها، لا نملك إلا الدعاء: أعان الله مصر وأبناءها، وتغمّد بواسع رحمته الفريد فرج وأمثاله من المبدعين، الذين أعطوا مصر أعمارهم، رغم كل ما تعرّضوا له من سجون ومنافٍ واضطهاد ومتاعب.