كثرٌ من الأحبة الغائبين التقيتهم تلك الليلة، وآخرون قمت بزيارتهم.
رأيتني أعـود إلى المكان الذي قصدته يوماً، وأنا في سن العاشرة، مع عدد من أترابي.. منحدر صخري، إلى جانب البسـاتين، ساعدنا الجنود في بناء المتاريس، فكافـؤونا بنقـود معدنية من فئة الخمسة قروش، وعدد من حبات البرتقال.
سرت في شوارع بيروت، باحثاً فيها عن حبيبة قديمة.
كانت شوارع المدينة خالية ومرعبة، فقط طيور تحلق في سمائها، قططٌ وكلابٌ تسرح على غير هدى، كل منها يبحث عما يقتات به.. ولما وصلت إلى مقهى على رصيف شارع رئيسي، شاهدت قليلاً من الأشخاص في المكان، على غير العـادة، ولم يمض إلا قليل من الوقت، حتى بدأت قذائف تتساقط في محيط المكان، وراح الناس يهرعون إلى أمكنة تحمـيهم مـن الخطر.
وكان صراخ وأنين يتناهى إلى مسمعي من مكان قريب، قصدت ناحية الصوت مسرعاً، فإذا حبيبتي ممددة على الأرض، والدماء تسيل منها، وقد غطت معظم وجهها، حملتها بين ذراعي، وهرعت بها إلى زاوية آمنة في مدخـل إحـدى البنايات القريبـة، ورحت أضمّد جراحها، لأراهـا بعد قليل من الوقت، وقد شفيت تماماً، وكأن شيئاً لم يكن..
ثم فجـأة، وكـأنني فـي فيـلم سينمائي، تتوالى مشاهده، وجدت نفسي في قريتي، بصورتها البكر، قبل أن تشوهها فوضـى الإسمنت، جلست وإخوتي على مصطبة الدار، وارتشفنا الشاي معاً.. كنا نتهيّأ لليوم التالي، موعد بدء قطاف الزيتون.
التقيت أبي وأمي، اللذين توفيا قبل سنوات خلت.. كانا جميلين، بملابس بيضاء، وضوء ناصع ينبعث من وجهيهما، ابتسما لي، وسألا عن أحوالي، وعن الزرع في "الكرم الجديد"، ولما اطمأنا غادرا، ولم أسألهما إلى أين.
غيوم رمادية كانت تتلاعب بها الرياح الباردة، وأضواء خافتة تأتي من بيوت بعيدة، قلت في نفسي: لم لا أهيئ المكان الذي سأدفن فيه، قرب والديّ الراحلين.
قصدت مقبرة القرية، بدأت بالحفر قربهما، وبعد مرور وقت، ومع وصولي إلى العمق المطلوب، أفقت من نومي مذعوراً، يتصبب مني عرق الحمّى، لكن ألمي تركته هناك، قريباً من أمي وأبي.