أخذت الأمم المتحدة على عاتقها منذ تأسيسها مهمة الدفاع عن حقوق الإنسان من خلال أجهزتها المتخصصة في هذا المجال، لكن دول الغرب الاستعمارية صاحبة التاريخ الأسود في حقوق الإنسان، سواء على أراضيها أو على أراضي الدول التي استعمرتها، لم تطمئن لإيكال هذه المهمة للأمم المتحدة، فعملت على تهميش دور المنظمة الدولية عن طريق تأسيس منظمات أخرى تحت شعار الدفاع عن حقوق الإنسان.

واعتقد الكثيرون أن الغرب يريد أن يكفر عن ذنوبه التي ارتكبها في حق الشعوب الأخرى، لكن تبين أن شعار "حقوق الإنسان" الذي يرفعه الغرب ما هو إلا أكذوبة كبيرة وأسلوب جديد للتدخل في شؤون الدول وممارسة الضغوط عليها، وحتى لا تحرج الحكومات الغربية، صاحبة السجلات السوداء في حقوق الإنسان، نفسها سلطت منظمات مشبوهة لممارسة هذه المهمة بدلا منها.

لقد أسست الدول الغربية عدة منظمات غير حكومية لحقوق الإنسان في مطلع النصف الثاني من القرن الماضي، ثم جمعت الولايات المتحدة هذه المنظمات عام 1978 في منظمة واحدة غير حكومية تحت اسم " هيومن رايتس ووتش "، مقرها مدينة نيويورك، وكان نشاط هذه المنظمة بالدرجة الأولى مركزا على الاتحاد السوفييتي، ثم وسعت المنظمة نشاطها ليشمل العالم كله، ماعدا الولايات المتحدة وبريطانيا وغيرهما من كبرى الدول الغربية، وأيضا إسرائيل.

وكأن هذه الدول بالتحديد خالية من خروقات لحقوق الإنسان، وبعد أن ساءت سمعة هذه المنظمة بسبب عدم نزاهتها أخذت في توجيه بعض الانتقادات الساذجة والسطحية لأوضاع حقوق الإنسان في الدول الغربية، خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر عام 2001 وفضائح معتقل غوانتانامو وسجن أبو غريب في العراق وبعد تكرار جرائم الصهاينة في غزة، إلا أن " هيومان رايتس ووتش " لم تلبث أن عادت لتوجه سمومها لمختلف دول العالم حسب توجهات سياسات الغرب ومصالحه الخاصة التي تتناقض دائما مع مصالح الدول والشعوب.

الغريب في شأن هذه المنظمة المشبوهة أنها لا تدافع سوى عن المعارضين الذين يخدمون مصالح أجنبية ضد دولهم وأوطانهم وشعوبهم، أما المعارضون السياسيون الآخرون فلا شأن لها بهم، وأذكر مثالا صريحا على ذلك عندما ألقت السلطات المصرية في عهد مبارك عام 2010 القبض على ثلاثة، أحدهم من الإخوان المسلمين هو عصام العريان واثنان آخران مستقلان هما الصحافيان إبراهيم عيسى وعبد الحليم قنديل، هنا ثارت هذه المنظمة المشبوهة وانتفضت تطالب السلطات المصرية بالإفراج عن المعتقل " الإخوانجي" عصام العريان.

ولم تعير الآخرين أي اهتمام. ومثال آخر مطابق في روسيا عندما ألقت السلطات الروسية القبض على ثلاثة من السياسيين نظموا مظاهرات ضد الحكومة بدون ترخيص من الأمن، أحدهم صديق واشنطن اليهودي "بوريس نيمتسوف"، والاثنان الآخران من الحزب الشيوعي الروسي، وهبت هيومان رايتس ووتش تطالب بالإفراج فقط عن نيمتسوف.

ولم يذكروا شيئا عن الاثنين الآخرين. دفاع هذه المنظمة المشبوهة باستمرار عن " الإخوان المسلمين " دون غيرهم يثير الكثير من الشكوك حول ولاء هؤلاء الذين تدافع عنهم تجاه أوطانهم وشعوبهم.