أسعدني كثيراً أن باحثاً شاباً من أبناء الإمارات قدم، أخيراً، رسالة للحصول على درجة الماجستير في العلوم السياسية، وعلى وجه التحديد في السياسة الخارجية، تحمل العنوان الدال «نموذج التطور الديناميكي الهوية وصنع السياسة الخارجية: دراسة حالة لدولة الإمارات العربية المتحدة ». وتقع في عشرة آلاف كلمة، وتستند في المقام الأول إلى أبحاث ميدانية مكثفة، التقى الباحث في إطارها بخبراء بارزين في السياسة الخارجية.

ومن المحقق أن جهداً فكرياً مميزاً كهذا يفرض نفسه بقوة، كمرشح للإصدار في كتاب يحظى بما يستحقه من اهتمام، خاصة وأنه لا يمكن القول إن هناك الكثير من الكتب الصادرة في موضوع هذا الكتاب.

من شأن هذا أن ينقلنا، على الفور، إلى الدعوة للمؤسسات القائمة على ميادين الأبحاث والتأليف والنشر والترجمة والتوزيع، لكي تبادر إلى تبني مثل هذه الأبحاث العلمية عن دولة الإمارات العربية المتحدة وإصدارها ونشرها بما يتفق مع أهميتها وضرورتها.

وهذه الدعوة تجيئ، بالنسبة لي، من صميم التجربة العملية، التي عشتها في غمار تأليف ونشر كتابي «مستقبل الثقافة في الإمارات». حيث إن هذا الكتاب، على الرغم من ندرة الكتب التي تتناول موضوعه، لم يكن من السهل دفعه للنشر بأي حال.

وأحسب أن هناك الكثير من المؤلفين الآخرين، الذين حرصوا على الكتابة في مجالات شتى عن الإمارات، والذين واجهوا الصعوبة ذاتها في النشر، بصفة خاصة.

وفي حقيقة الأمر أن هذا لا يمكن أن يعد أمراً مفهوماً، فالإمارات تحفل بالمطابع، ولا تنقصها دور النشر، وهناك وفرة من مراكز الأبحاث والدراسات العلمية، ومع ذلك فإننا في نهاية المطاف لا نجد من الإصدارات والكتب عن دولة الإمارات ما يتوازى مع هذه الإمكانيات الأمر الذي يدفع إلى التساؤل عن عناصر الخلل في هذه المعادلة.

دعنا نأخذ ثلاثة ميادين رئيسية، وهي التاريخ والجغرافيا والأنثروبولوجيا، ونتساءل عن عدد المراجع والمصادر المتوافرة في هذه الميادين عن دولة الإمارات.

لا أريد التطرق هنا إلى الكثير من التفاصيل، ولكن يكفي أن أشير إلى أن كتاب الباحثة الألمانية فراوكه هيرد بيي، التي لاتزال تقيم وتعمل في الإمارات اليوم، قد استغرق كتابها المهم عن الإمارات عقدين من الزمان كي يرى النور في طبعة عربية.

يكفي أن نشير إلى أن أهم كتاب عن الأنثروبولوجيا بالنسبة لدولة الإمارات لايزال حتى اليوم بعيداً عن أن يشق طريقه إلى القارئ العربي بلغته.

والأمثلة عديدة، وهي جديرة حقاً بالتدارك، لكنني أعتقد أن متغيراً جديداً قد فرض نفسه بما يغير معالم هذه الصورة، وهو أن جيلاً جديداً من أبناء الإمارات أطل إلى الساحة، منطلقاً بحب وطنه والحرص على إعطائه كل ما يستحقه من بحث ودراسة علميين، ومسلحاً بالحماس، ومزوداً بالنضج وبالقدرة على تحويل الآمال إلى واقع معاش.