تمر اليوم الذكرى 42 على رحيل الزعيم جمال عبد الناصر، الذي لا يختلف كثيرون على أنه كان يمثل تجسيدا واقعيا للحلم العربي، الذي يتغنى به العرب حتى الآن من المحيط إلى الخليج، ولم يحظ أحد في تاريخ العرب بلقب "زعيم الأمة العربية" سوى عبد الناصر، وهذا في حد ذاته أمر غريب يثير جدلاً واسعاً ومستمراً داخل الوطن العربي وخارجه، خاصة وأنه صاحب أكبر هزيمة مني بها العرب في العصر الحديث، هذه الهزيمة التي لم تفلح الحملات الإعلامية الشرسة ضده على مدى أربعة عقود بعد رحيله، أن تقلل أو تضعف مكانته في قلوب الأمة العربية من المحيط إلى الخليج. ولا شك أن المؤرخين للصراع العربي الإسرائيلي، سوف يجدون أنفسهم دائما مضطرين لتقسيم هذا الصراع إلى مرحلتين أساسيتين هما، ما قبل وما بعد رحيل عبد الناصر. ورغم ما يردده البعض الآن في مصر، وخاصة من الإخوان المسلمين، من تحميل الستين عاما الماضية على الثورة التي قادها عبد الناصر في يوليو عام 1952، إلا أن الواقع أن هذه الثورة انتهت واندفنت بعد رحيله مباشرة، وأن الرئيس الراحل السادات كرس كل جهوده لمحو آثار ومعالم هذه الثورة، لدرجة أن كافة المعالم التي أطلق عليها اسم ناصر بعد وفاته مباشرة، عادت لأسمائها القديمة قبل اغتيال السادات عام 1981، ولم يبق منها سوى بحيرة ناصر في السد العالي، لأنها لم يكن لها اسم آخر تعود إليه.
مع رحيل عبد الناصر رحل الحلم العربي في الوحدة ولم الشمل، ولم يعرف العرب بعده الاتفاق على رأي واحد ولا مرة واحدة، ودبت الخلافات والعداوات بينهم، ووصلت لدرجة احتلال دول عربية لدول عربية أخرى، حتى مصر الأم أغارت طائراتها المقاتلة على بلدان عربية مجاورة، وقصفت قاعدة عسكرية تحمل اسم عبد الناصر في ليبيا، وعاثت إسرائيل فسادا وعربدة في المنطقة لم يكبحها أحد، وضاعت القضية الفلسطينية واختفت معالمها، وصدقت مقولة وزير الدفاع الصهيوني موشي ديان "لولا مصر لأخضعنا العرب جميعا لنا".
أذكر حديثا تليفزيونيا لسياسي لبناني، قال فيه "لوكان العمر طال لعبد الناصر ما اندلعت الحرب الأهلية في لبنان في السبعينات".. وهل كان يجرؤ أحد على تقسيم السودان في عهد ناصر؟ ولا ننسى أن ناصر هو الذي حذر عبد الكريم قاسم من مهاجمة الكويت في الستينات، وقال له "لو فكرت في ذلك فسوف أتصدى لك".
لقد فقدت مصر بعد رحيل عبد الناصر قوتها الناعمة ومكانتها العربية والإفريقية والعالمية، وها هي تمر بالأمس القريب لساعات معدودة، كالضيف الغريب في مؤتمر منظمة دول عدم الانحياز التي أسسها عبد الناصر، لتلقي كلمة أبعد ما تكون عن نهج المنظمة والأهداف التي أسسها عبد الناصر ورفاقه من أجلها.
حملات التشويه والهجوم على عبد الناصر طيلة العقود الأربعة الماضية، لم تؤثر على مكانته في الوجدان العربي، بل زادتها ترسيخا، وما زالت الشعوب العربية ترفع صوره في الميادين، ليظل ناصر رمز الحلم العربي الدائم.