من المؤكد أن أي دعوة للتفكير أو التأمل أو إعمال الذهن ستظل شيئاً تصعب تلبيته أو الاستجابة له، وسط الغضب العارم الذي ساد، ولايزال يسود، العديد من أرجاء العالم الإسلامي، في معرض الاحتجاج على الفيلم المسيء للإسلام، الذي أعقبه رسوم تحمل الصفة ذاتها وتنافسه في القبح وسوء الطوية والمقصد. لكن ذلك لن يمنعنا من أن نشدد على ضرورة الالتفات إلى أن هذا المكر السيء، الذي اصطنعه البعض، ما كان ليأخذ كل هذه الأبعاد لولا أن هناك صناعة بأسرها في الغرب مهدت الأرضية له، هي «صناعة الإسلاموفوبيا» حسب عنوان كتاب شهير يستحق من الاهتمام كله. هذه الصناعة في جوهرها، التي احترفها البعض، تقوم على التخويف من الإسلام والمسلمين، وتبغيضهما، وإثارة الكره لهما في كل الدوائر المؤثرة في أميركا وأوروبا، وأولها دوائر الرأي العام. ودعنا نتوقف أمام أربعة مؤشرات رقمية توضح التأثير بالغ السوء الذي تركته هذه الصناعة سيئة الصيت في أميركا بصفة خاصة:
أولاً: تفيد دراسة أجرتها مؤسسة «بروكنجز» أن ثلثي الجمهوريين وأنصار اليمين الأميركي يعتقدون أن قيم الإسلام تتعارض مع القيم الأميركية.
ثانياً: وصلت صناعة كراهية الإسلام والتخويف من المسلمين إلى حد لم يتردد معه ستة من كل عشرة من المنتمين إلى اليمين الأميركي في الإعراب عن اعتقادهم بأن المواطنين المسلمين الأميركيين يسعون إلى إقرار قوانين الشريعة الإسلامية في أميركا، وصولاً إلى حد فرضها فرضاً.
ثالثاً: دعوات اليمين الأميركي المتطرف تتردد أصداؤها مع اليمين الفرنسي، ممثلاً في الجبهة الوطنية الفرنسية ودوائر يمينية متطرفة شتى في بريطانيا ووسط أوروبا، وكلها تتفق على رفض أي حزب أوروبي يدعو إلى أو يشجع على «التعددية الثقافية».
رابعاً: جاء في دراسة أجريت في لندن قبيل الدورة الأولمبية التي أقيمت هناك على عينة مؤلفة من 1750 فرداً أن 41% من أفراد هذه العينة يرون أن أصوات التأييد ينبغي أن نتوجه مستقبلاً لصالح أي حزب سياسي أو أي دعوة سياسية ترفض تشجيع الهجرة، وأفاد 37% من أفراد هذه العينة أنهم سيؤيدون أي حزب يعد بتخفيض عدد المسلمين هنا أو هناك.
هذه الحقائق، وغيرها كثير مما يماثلها، ينبغي أن تدفع الحكومات والمنظمات والمؤسسات، على امتداد العالم الإسلامي، إلى القيام بجهود منظمة للتصدي لصناعة الإسلاموفوبيا وإحباط تأثيراتها المدمرة ومقاومة عمليات غسيل المخ التي تقوم بها للرأي العام الغربي.
إن من حق كل مسلم أن يعترض على الإساءة إلى الإسلام، وإلى نبي الإسلام، بالوسائل والأساليب التي طالما اعتمدها صلوات الله وسلامه عليه وتركها وراءه نبراساً وهديا للعالمين.
ومن واجب كل الحكومات والمؤسسات الإسلامية أيضاً أن تتصدى لصناعة الإسلاموفوبيا بما يستأصل مكرها السيء من جذوره، ويطفئ نار الكراهية والبغض التي تحاول أن تشعلها في القلوب والآفاق.
بدلاً من أحجار نلقيها، دعونا نرسل عبر أرجاء الدنيا أفكاراً تنير عقول الكافة في التعريف بديننا الحنيف، وترد المكر المسيء إلى أهله.