تتقاسم كل من ألمانيا وأوروبا مصيراً مشتركاً، وهو مصير يفرض على ألمانيا الإمساك بزمام قيادة حقيقية. ولا يمكن لألمانيا أن تعزل نفسها عن أوروبا. وفي الماضي، ساهم مفكرون شهيرون، مثل غوته وكانط وشيلر، في وضع ألمانيا في طليعة الجهود الرامية إلى التوفيق بين الهوية الوطنية والعمل الأوروبي والمسؤولية العالمية. واليوم يتعين على ألمانيا أن تعود مرة أخرى إلى أفضل تقاليدها، لإعادة إطلاق أوروبا وإعداد مستقبل أفضل.

خلال الأزمة الحالية، شعرنا بأن ألمانيا، الفخورة بحق بأدائها الاقتصادي، اعتمدت شعوراً معيناً بالاكتفاء الذاتي. ولكن في حال تخلت برلين عن دورها التاريخي في أوروبا، فإن ذلك سيعني نهاية كل من أوروبا وألمانيا سياسياً. ولا ينبغي لأحد، ولا حتى الألمان، أن يتوهم أنه يستطيع المضي قدماً وحده؛ فالاتحاد وحده هو الذي سيمكن الأوروبيين من مواجهة التحديات العالمية المتزايدة.

إنني أخشى أن كل الأوروبيين، بمن فيهم الألمان، يقومون بالمجازفة نفسها. قد ترى ألمانيا نفسها كبيرة جداً بالنسبة لأوروبا، إلا أنها بالتأكيد أصغر من أن تواجه التحديات العالمية الجديدة وحدها، مقارنة بالولايات المتحدة والصين. ولذا فإن ألمانيا تحتاج إلى أوروبا أيضاً، وهي تحتاج إلى أوروبا "أوروبية"، لا "ألمانية". لقد حقق الاتحاد النقدي منافع سياسية واقتصادية وتجارية هائلة لألمانيا، وتضاعفت الصادرات الألمانية إلى بقية دول منطقة اليورو منذ بدء العمل بالعملة الموحدة. غير أن الاتحاد الاقتصادي والنقدي لم يتحقق، ولا يتطلب ذلك قواعد جديدة فحسب، وإنما نقلة نوعية إلى الأمام كذلك.

وهذا هو السبب في أن ألمانيا تحتاج إلى الإمساك بمقاليد قيادة إيجابية، لتبين الطريق إلى الأمام. وتتمثل مهمتها الفورية في التصدي للأزمة الراهنة على نحو أكثر فعالية. والحجج التي تنادي بتعميق الاندماج على أساس السياسة المالية والإدارة الاقتصادية واضحة، فقد فقدت كل من الدول المدينة والدائنة، السيادة الحقيقية. ويعمل منطق المواجهة الذي استقر بين الدائنين والمدينين، على تحطيم الأسس التي يقوم عليها البناء الأوروبي. وفي حال اكتفينا بالتمسك بقواعد ومشروطية أكثر صرامة فحسب، فإننا نخاطر بدفع المزيد من قوى الطرد المركزي داخل أوروبا.

وتحتاج ألمانيا إلى أن تعلن بوضوح ما تعنيه باقتراح "الاتحاد السياسي" الذي قدمته، ويجب عليها أن تقنع جميع شركائها الأوروبيين بعزمها على اتباع الطريق الفيدرالي، وأن تقترح خارطة طريق واضحة نحو أوروبا ديمقراطية وفيدرالية، وهو مشروع لا يمكن تأجيله لخمس أو عشر سنوات، ولكن ينبغي أن يبدأ الآن، في عام 2012، وأن يسير جنباً إلى جنب مع تحقيق اتحاد مالي واقتصادي ومصرفي.

لقد وصلت أوروبا اليوم إلى وضع راهن لا يطاق، وللخروج منه، يتعين على ألمانيا أن تبدأ في التحدث بلغة الحقيقة، في الداخل وفي بقية أوروبا، إذ يحتاج الاتحاد السياسي إلى نقاش موسع. وبالنظر إلى تراجع مصداقية العملية السياسية بين الجماهير الأوروبية، فإن نقاشاً من هذا القبيل سيكون صعباً بقدر ما هو ضروري.