في رأيي الشخصي ان أهم إنجاز حققه الرئيس المصري محمد مرسي منذ توليه الحكم حتى الآن هو زيارته للصين، حتى وإن كانت معالم الزيارة ونتائجها لم تتبلور بعد على أرض الواقع، والله أعلم إذا كانت ستتبلور أم لا، إلا أن الزيارة في حد ذاتها واختيار الصين في مقدمة الزيارات الخارجية، يعني في حد ذاته أشياء كثيرة ومهمة، ويعبر في الوقت نفسه عن استقلالية القرار المصري التي نطمح إليها.
أما الزيارة "العابرة" لطهران والخطاب الذي ألقي في مؤتمر عدم الانحياز، والذي صوره الكثيرون على أنه "قنبلة سياسية" على حد وصف البعض، فأنا لا أرى أنه يستحق كل هذا الترويج، على الأقل لأنه لا يفيد مصر الآن في شيء في ظل ظروفها الحالية، ولا يمت لقضاياها الحقيقية بصلة، ولا يضيف شيئاً لمكانتها الإقليمية، بل قد يدخلها في صراعات إقليمية هي في غنى تام عنها الآن بالتحديد.
اختيار الصين والتوجه إليها بوفد كبير من الخبراء الاقتصاديين ورجال الأعمال، هو القرار الصحيح في التوقيت الصحيح اقتصادياً وسياسياً أيضاً، بل ربما يكون سياسياً أكثر.
وقد يشك البعض في أن ما حدث وما قيل في طهران كان نتيجة إملاءات خارجية، لكن زيارة الصين لا يشوبها هذا الشك على الإطلاق، خاصة وأن الدول والجهات التي اعتادت ممارسة الإملاءات والضغوط على مصر، لا يمكن أن يروق لها أن تتوجه مصر الآن بالتحديد إلى الصين التي لم تعد مجرد دولة صاحبة اقتصاد إنتاجي عملاق تبحث له عن أسواق، بل أصبحت قوة سياسية واقتصادية وعسكرية مؤثرة وفعالة على الساحة الدولية، ومرشحة لأن تكون المنافس الأول للولايات المتحدة سياسياً واقتصادياً.
ولهذا لم يكن غريباً أن تأتي زيارة الرئيس مرسي للصين على غير هوى الأميركان، والذين بادروا بإخفاء ذلك من خلال تصريح روبرت هورماتس، نائب وزيرة الخارجية الأميركية، الذي قال "إن الولايات المتحدة ليست لديها أية مشكلات في وجود علاقات اقتصادية بين القاهرة وبكين".
هذا التصريح من الدبلوماسي الأميركي، يخلو تماماً من الدبلوماسية واللباقة، لأنه يظهر مصر وكأنها تحت وصاية واشنطن تحدد لها مع من تتعامل، لكن التصريح في الوقت نفسه يعكس قلقاً أميركياً من توجهات مصر الخارجية نحو جهات لا تتفق في سياساتها مع واشنطن.
التعامل مع الصين أفضل بكثير من التعامل مع واشنطن التي تتدخل بشكل سافر في شؤون الدول الداخلية، ولا تعطي مصر إلا بالقدر الذي يضمن تبعيتها الدائمة لها، ويضمن تفوق إسرائيل اقتصادياً وعسكرياً، ناهيك عن أن الصين في ظل الأزمة المالية العالمية، ظروفها أفضل من الولايات المتحدة التي تعاني بشدة من الأزمة، ولا تستطيع إنقاذ حلفائها الأوروبيين الذين لجأوا للصين التي لم تتأثر كثيراً بالأزمة، وأميركا نفسها في أزمتها تلجأ لبكين وتبيع لها سنداتها الحكومية الفيدرالية، حيث تملك الصين أكبر احتياطي نقدي في العالم.
كم أتمنى أن تؤتي زيارة الرئيس مرسي للصين ثمارها، وأن تتعامل مصر خارجياً مع دول تحترمها ولا تتدخل في شؤونها الداخلية.