ينتمي اللقاء الذي عقده الرئيس المصري الدكتور محمد مرسي، أخيراً، مع مجموعة مختارة من الفنانين والكتاب والمبدعين المصريين، إلى نوعية اللقاءات التي يتم ترقبها قبل أن تعقد، ويجري تتبع نتائجها وتبعاتها، حتى بعد أن تنداح في النسيان بوقت طويل.

ونحن نقول إنها مجموعة «مختارة»، لأن مؤسسة الرئاسة هي، من الناحية الرسمية، التي قامت باختيار من شهدوا اللقاء، ووجهت الدعوة إليهم، في مجافاة للعرف المهني، الذي كان من شأنه أن يضمن توجيه الدعوة للنقابات والجمعيات والتجمعات المهنية، على أن تقوم هذه بدورها باختيار من يشهد اللقاء ويتحدث باسمها من أعضائها.

أياً كان الأمر، دعنا نتوقف عند ما استهل به الرئيس المصري اللقاء، فقد شدد على حرية المبدعين في الانطلاق لتقديم أفضل ما لديهم، بعيداً عن القيود، التي تخوف بعضهم من أن فكر وممارسة جماعة الإخوان المسلمين يحملانها إلى موقع السلطة.

ما قدمه الدكتور محمد مرسي هو كما فهمه كل من استمعوا إليه بمثابة تعهد صادق من مؤسسة الرئاسة بأن المرحلة المقبلة ينبغي أن تشهد انطلاقاً لحركة الإبداع وليس تكبيلاً لها، وبهذا المعنى فإن ما طرحه هو نفي وإنكار لكل المخاوف، التي هيمنت على آفاق مصر من أن القيود والضوابط، بل المصادرة والبطش في طريقها إلى اعتراض طريق الفن والفكر والأدب والشعر في مصر.

المشكلة الحقيقية هي أن ما طرح في هذا اللقاء كان كلاماً عاماً، كلاماً يمكن أن يقال في أي مجال، وعن أي نشاط، وهذه العمومية كما تعلمنا تجارب الشعوب هي اللاشيء بعينه، هي أول ما ينداح للنسيان، حين تبرز الوقائع والحقائق القاسية. الكثيرون توقعوا أن تشكل مجموعات عمل مع الفئات المختلفة، التي مثلها من شهدوا اللقاء، لمناقشة مشكلاتهم وقضاياهم، والعوامل التي تعرقل مسيرتهم، والمخاوف التي تلقي بظلالها على مجالات إبداعهم.

الكثيرون أيضاً توقعوا أدواراً أكثر بروزاً للنقابات والجمعيات والجماعات، التي ينتظم في صفوفها هؤلاء المبدعون الذين حضروا اللقاء، وهي الأدوار التي تم تجاهلها، منذ البداية ذاتها.

الكثيرون توقعوا أن تتضمن كلمة الرئيس المصري إشارة إلى الحقيقة التي يبدو أن الكثيرين يحرصون على تجاهلها، وهي أن ما يقدمه هؤلاء المبدعون يشكل جزءاً لا يتجزأ من «القوة الناعمة» التي راكمتها مصر، بالجهود والعرق، عبر عقود عدة، والتي تبدو اليوم في مهب الريح.

الكثيرون تأملوا ملامح الشعراء والكتاب والفنانين والمبدعين، خلال اللقاء، وقرأوا فيها التخوف من الآتي، التوجس من المقبل، وربما الاستعداد للمقاومة في زمن لا تنقصه الصعوبة ولا التعقيد.

لقد خسرت مصر الكثير، بالفعل، ولكن ما من أحد يمكن أن يقبل بحال أن يكون إبداعها وفنها وفكرها ضمن ما يمكن ترشيحه لأن تخسره، في قابل الأيام، لأن ما يمكن أن تخسره في هذا الزمن الرمادي لا سبيل إلى أن يستعاد.