الدم، كما نعرف جميعاً، يستدعي الدم، وهكذا فإن الهجوم الذي أسفر عن استشهاد ستة عشر من حرس الحدود المصريين، فيما كانوا يتأهبون لتناول طعام الإفطار بعد صوم يوم طويل، أخيراً، ما كان يمكن إلا أن يترتب عليه تصعيد كبير من جانب صانع القرار المصري على أعلى المستويات، بما في ذلك قصف تجمعات الإرهابيين المشتبه بهم بطائرات الهليكوبتر المصرية، وتدفق المدرعات المصرية إلى سيناء، في إطار حملة أمنية شاملة.

ربما يكون التحرك المكثف على الصعيد الأمني في سيناء شيئاً يفرضه الوضع المتردي هناك، الذي كان الجميع يعرفه، لكن هذا الحادث الدموي كشف النقاب عنه على نحو لا مجال للسكوت حياله.

ولكن هل الحل الأمني هو أسلوب التحرك الوحيد أمام صانع القرار المصري في سيناء؟

الإجابة التي تقفز إلى الذهن عن هذا السؤال، على الفور تقريباً، هي أن مثل هذه الحملة ليست إلا أداة واحدة، ضمن أدوات عديدة ينبغي توظيفها في إطار استراتيجية متعددة المراحل، للتعامل مع الوضع في سيناء.

ولكن ما هو الإطار المعرفي الذي يجب أن تستند إليه هذه الاستراتيجية؟ وكيف يمكن أن تنطلق هذه الاستراتيجية لتحويل سيناء من منطقة تحسب بالسلب على الأمن القومي المصري إلى رصيد بالإيجاب لهذا الأمن؟

لقد تعامل نظام الرئيس المصري السابق حسني مبارك مع سيناء باعتبارها صندوقاً من الرمل، يشكل حاجزاً بين مصر وإسرائيل، ولم يهتم إلا بمجموعة المنتجعات، التي شكلت استثماراً مربحاً لقطاعات من رجال الأعمال.

والحقيقة الفاجعة هي أنه ليست هناك معرفة حقيقية بسيناء، بمعنى التراكم العلمي الدقيق لدى أجهزة البحث في مصر.

يلفت النظر أن أجهزة ومراكز وجامعات أبحاث أميركية كثفت دراساتها لسيناء، في أوقات مختلفة من القرن الماضي وبداية القرن الحالي، ووظفت حصيلة هذه الدراسات من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلية لشبه الجزيرة، قبل تحريرها.

اليوم ينبغي التعامل مع سيناء باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من صميم الكيان المتكامل الذي تشكله مصر، ويتعين أن تكتسب مشروعات التنمية والإعمار هناك أولوية خاصة، لأن في هذا دعماً للأمن القومي المصري.

ويتعين على صانع القرار المصري أن يعيد مد الجسور مع أبناء سيناء وأن يجد حلولاً ذات برامج زمنية محددة لمشكلاتهم، بحيث لا يدعهم في نهاية المطاف فريسة للتنظيمات التي تنسج على منوال تنظيم القاعدة في الهدم والتخريب.

إن سيناء بحاجة إلى استراتيجية جديدة في التعامل معها، تختلف نوعياً عما شهدته مراحل سابقة، لأن ذلك ضرورة يقتضيها الأمن القومي في مصر بشكل ملح.