عندما تحدثنا من قبل عن العلاقات الوثيقة والقديمة بين جماعة الإخوان المسلمين في مصر وواشنطن، اتهمنا البعض بالفكر التآمري، رغم أننا تناولنا هذه العلاقات في تطورها التاريخي منذ الستينات من القرن الماضي، وهروب قيادات الجماعة خارج مصر، ثم عودتهم بأوامر من الرئيس الراحل أنور السادات وبمشورة من كيسنجر، لمواجهة المد اليساري والقومي الناصري.

ومنذ ذلك الحين وواشنطن تدعم الإخوان في مصر بشكل واضح. ونتذكر عندما ألقي القبض عام 2010 على عضو الجماعة عصام العريان مع اثنين آخرين من التيارات اليسارية، هبت منظمة "هيومان رايتس ووتش" الأميركية تدافع عن العريان وتطالب السلطات المصرية بالإفراج عنه، وتجاهلت تماما الاثنين الآخرين المقبوض عليهما معه.

مناسبة هذا الحديث هو تقرير أخير صادر عن مركز "بروكينغز" الأميركي، ونشرته مجلة "فورين بوليسي" الأميركية الأسبوع الماضي، ويعد مركز "بروكينغز" من أهم مراكز الأبحاث الأميركية التي تشارك في صنع القرار، ويرأسه ستروب تالبوت الذي كان يشغل منصب النائب الأول لوزيرة الخارجية الأميركية مادلين أولبرايت في إدارة الرئيس كلينتون، وتضم هيئة مستشاري المركز نخبة من كبار السياسيين الأميركيين، مثل الوزيرة أولبرايت.

والمستشار بريجنسكي، وصامويل بيرغر، وغيرهم من كبار صناع السياسة الأميركية. تقرير مركز بروكينغز يتهم بشكل مباشر كافة القوى السياسية في مصر (ما عدا الإخوان المسلمين)، بأنهم أعداء للديمقراطية الوليدة في مصر.

وأنهم متكالبون على السلطة، وأنهم يغارون من الإخوان المسلمين الذين تدعمهم واشنطن من منطلق "تعزيز الديمقراطية"، ويتهم التقرير الليبراليين المصريين بالغرق في نظرية المؤامرة، لأنهم يتوهمون وجود علاقات خفية بين واشنطن وجماعة الإخوان، وأنهم وصلوا للحكم والسلطة في مصر بدعم أميركي.

سبب هذا التقرير هو الاستقبال السيئ للوزيرة الأمريكية كلينتون في مصر منتصف يوليو المنصرم، ومن الأسماء الواردة في التقرير لبعض الشخصيات الليبرالية المصرية ممن يهاجمهم التقرير، عمرو حمزاوي وأبو العز الحريري وأسامة حرب وعماد جاد وغيرهم، مما يعني أن التقرير يقصد بالليبراليين كافة القوى السياسية الأخرى في مصر، حتى الأقباط المصريين ضمهم التقرير لليبراليين، لا لشيء إلا لأنهم استنكروا في بيان لهم لقاءات الوزيرة كلينتون بقيادات الإخوان والسلفيين.

ويؤكد التقرير أن دعم واشنطن للإخوان هو دعم للديمقراطية الوليدة في مصر ودعم للأغلبية، ويتجاهل التقرير تماما ما حققته التيارات السياسية الأخرى في الانتخابات من نتائج لم يكن الإخوان يمثلون الأغلبية في مرحلتها الأولى، ولا حتى ربعها. ويعلم الأميركان جيدا أن الليبراليين أيدوا مرشح الإخوان في المرحلة الثانية، نكاية في شفيق مرشح النظام السابق.

كما يتجاهل التقرير الحراك السياسي والثوري الكبير في الشارع المصري الرافض لسيطرة الإخوان على الحكم، وهذا ليس عادة السياسة الأميركية التي نعرفها تهتم كثيرا بالتيارات الأخرى المعارضة في أية دولة، وتطالب النظام الحاكم بالتعامل معها واحترام إراداتها، لكن في مصر الأمر يختلف، والديمقراطيون في نظر واشنطن هم الإخوان فقط دون غيرهم.

هذا التقرير يعني أن واشنطن ستضع كل رهاناتها على الإخوان المسلمين لتحقيق مصالحها، وستساعدهم في ضرب القوى السياسية الأخرى.