الكثيرون، في مصر وعلى امتداد وطننا العربي، تؤرقهم مجموعة من الأسئلة المحيرة، التي تدور كلها حول الموعد المتصور الذي سيشمر المصريون فيه عن ساعد الجد، ويبدأون في العمل نحو إحياء اقتصاد بلدهم، الذي تردى طويلاً، ووصل إلى مستوى أقل ما يقال فيه إنه ينذر بالخطر بكل المعايير.
هذه الأسئلة تتجدد بقوة، هذه الأيام، فبدلاً من أن تبدأ الحكومة الجديدة عملها، وتستدرك كل هذا الوقت الطويل الذي مضى هدراً، تتوالى الدعوات من قوى محددة في المعارضة الليبرالية تدعو إلى «ثورة جديدة» هي بمثابة استئناف لثورة الخامس والعشرين من مايو، وإلى الاعتصام أمام مقار جماعة الإخوان المسلمين وحزب الحرية والعدالة الناطق باسمها، وإلى تنفيذ القرار التاريخي بحل الجماعة وإعادة كل أموالها وأرصدتها إلى خزينة الدولة ووقف نشاطها.
الذين رفعوا لواء هذه الدعوة ذهبوا إلى تأكيد عدد من العناصر يرونها المبررات الحقيقية لدعوتهم للثورة والتصدي لجماعة الإخوان المسلمين، حيث يشيرون إلى العناصر التالية:
1 ـ أن ما يزيد على شهر قد أنقضى منذ وصول الرئيس محمد مرسي إلى سدة الرئاسة، لم يحقق خلاله أي وعد من وعوده التي قطعها على نفسه في حملته الانتخابية.
2 ـ أن جماعة الإخوان المسلمين ـ بحسب رؤيتهم ـ قد اختطفت الثورة، وصادرتها لحسابها، وحولتها من حركة اجتماعية ـ اقتصادية تستهدف إرساء العدل في مواجهة ثلاثين عاماً من المظالم والفساد إلى خارطة طريق للحركة لتضع يدها على كل أشكال السلطة في مصر.
3 ـ أن جماعة الإخوان المسلمين تمضي قدماً في تنفيذ برنامج التنظيم الدولي الذي تنتمي إليه، على حساب مصالح مصر الوطنية، بل وسيادتها.
أياً كان أمر هذه الدعوة وما ستصل إليه، وأياً كان ما سيشهده الشارع المصري في المرحلة المقبلة فإن الحقيقة القاسية هي أن بداية العمل من أجل «نهضة» مصر ستظل شيئاً مؤجلاً، شيئاً يمتد بعيداً عند نهاية الأفق، متشحاً بالغموض وبالضباب وبالقابلية المستمرة للتأجيل.
من حق المعارضة الليبرالية في مصر القيام بدورها في أن تكون معارضة، وأن تبلور ما هو أفضل من أجل مصر.
ولكن من المؤكد أنه ليس من حق أحد في مصر، لا الحكومة ولا المعارضة، أن يستديم الوضع الراهن، بكل ما يكتنفه من فوضى واضطراب واتجاه نحو المزيد من التردي.
ليس من حق أحد أن يؤجل بداية العمل الوطني الشامل في مصر من أجل استرداد الأمن، وإعادة دوران دولاب الانتاج، ومعالجة المشكلات التي لا تفتأ تتراكم وتتزايد بلا انتهاء.
وإذا كنا بحاجة إلى تأكيد آخر على أهمية البدء بمسيرة العمل الوطني في مصر، بكل جدية وانتظام، فما علينا إلا أن نلقي نظرة على الأحداث التي شهدتها سيناء، أخيراً، لكي ندرك مدى سوء عاقبة هذا الاستمرار في تأجيل البداية.