تتوالى الاختبارات والتحديات من كل صوب، لقرار جماعة "الإخوان المسلمين" مغادرة مقعد المعارضة الوثير إلى "كرسي الاعتراف" في السلطة، بعد زمن ليس بالقصير كانت فيه أدبيات الجماعة تزدحم بشعارات الزهد في هذه السلطة.

"الربيع العربي" حمل "الإخوان" إلى مقاليد السلطة، على دعامتين أساسيتين:

الأولى؛ كون الجماعة هي القوة السياسية الوحيدة المنظمة جيدا وممولة تماما، وكانت تتمتع بهامش حرية في ظل أنظمة "الربيع" الاستبدادية، على حساب قوى سياسية أخرى. كان لافتا علاقة الجماعة بالأنظمة المتقلبة؛ من تحالف خفي إلى صدام ناعم، باستثناء بعض الأنظمة مثل الجزائر وليبيا وسوريا.

حيث وصلت العلاقة إلى صراع دموي اتخذ طابع الوحشية الاجتثاثية. والجميع يعلم أن الثقل الأكبر لـ"الإخوان" في المنطقة، هو في مصر التي مكنت هذه العلاقة الغريبة بينها وبين النظام من سيطرة الجماعة على شبكة واسعة من المؤسسات الاجتماعية لتكسبها الجماهيرية.

الدعامة الثانية كانت الحاجة الواضحة للبديل، فعندما ترهلت واهترأت أركان النظام في مصر، كانت كل القوى السياسية مجتمعة في أرض الكنانة، لا تعدل الجماعة تنظيما ولا تمويلا، وهو ما مهد لاحقا لتحالفها المعلن مع واشنطن، المتفردة بخيوط اللعبة في المنطقة.

استوفت الجماعة شرط شرعيتها الخارجي، بإعلانها التزامها بالمعاهدات والاتفاقات المعقودة من قبل النظام السابق، وبقي لها الشرط الثاني: عدم السماح بتناسل الحركات الأصولية المتطرفة، ما يعني وضع محاصرة "السلفيين" على الأجندة.

الآن، باتت الجماعة أمام محك مصيري بتسلم ذراعها الأقوى السلطة المصرية، بعد نفضها بعيدا شعار أن الحكم ليس مطلبها بل إصلاح الحال، ها هي في قمة الهرم وبأيديها كل أدوات الإصلاح التنفيذية، وبفريق هشام قنديل الوزاري الموسع إلى 35 مقعدا.

ولأننا مضطرون لمواكبة التغيرات وقراءة الكتاب بتمعن لمقارنة مضمونه بعنوانه، بدل استنتاجات العنوان المتعجلة، فإن منح حكومة قنديل الفرصة مطلب منطقي بدل النظرة والحكم المسبقين، لكن المؤشرات في عالم الافتضاح المعلوماتي، تشير إلى إخفاق في الأفق لسببين:

الأول يتصل بغياب التقدير الواقعي لظروف المرحلة الانتقالية من تاريخ مصر الحديث، والذي تبرز أولوياته في الأمن والاقتصاد، وهو ما شف عن افتقاد الجماعة للخبرة في هذين المجالين وردهما إلى وزراء من الحقبة السابقة المكروهة، مع الحفاظ على وصفة تقاسم مع العسكر.

والثاني الاحتفاظ بحقائب "البروباغندا" الإعلامية والشبابية والاجتماعية، لضمان تدفق المعلومات إلى الجمهور وفق قنوات تجميلية منضبطة. إذا خابت التجربة كانت الجماعة زرعت كوادرها في الشبكة الحكومية الاجتماعية، وضمنت البقاء بديلا، فهل هي انتهازية أم براغماتية؟.. القول الفصل في المقبل من الأيام.