لم يكن من قبيل الصدفة أن يهتم العرب بما يعرف ببراعة الاستهلال، ذلك أن بدايات القول تعد بما سيلي ذلك، وتنبئ عنه، فإذا كانت البداية بارعة، فإنها تشير إلى أن القائل أو الكاتب لديه الكثير مما يؤكد شموخ قامته فيما هو بسبيله إلى قوله أو كتابته. هذه القاعدة، بالطبع، لا تنطبق على القول وحده، وإنما هي تنصرف إلى الفعل، وبصفة خاصة في ميدان الحركة السياسية، حيث لكل خطوة تأثيرها الكبير على مجتمع بأسره.

ومن المحق أن الكثيرين في مصر وخارجها قد توقفوا طويلًا عند بدايات الحركة السياسية كما يمارسها الرئيس المصري الدكتور محمد مرسي، فبغض النظر عن طاقم مساعديه في مؤسسة الرئاسة العتيدة، وعن مكتب الإرشاد ذي الخبرة الممتدة في جماعة الإخوان المسلمين، لا يستطيع باحث أو محلل الزعم بأن ما رأيناه حتى الآن يوحي بالحد الأدنى من براعة الاستهلال، أو يعد بما هو خير وأفضل أو بما يدعو ويدفع إلى التفاؤل.

دعنا نتذكر أن القرار الأول للرئيس المصري، من الناحية العملية، كان قرارة بدعوة مجلس الشعب إلى الانعقاد، والقرار ــ بالمناسبة ــ لا يزال قائماً من الناحية الرسمية، حتى وإن كان قد تم التراجع عنه بمقتضى الحال. وهو في صميمه يأتي بالمخالفة لحكم المحكمة الدستورية المصرية، التي تعد ذروة السلطة القضائية في مصر وسنامها، وأحكامها غير قابلة للمراجعة، وحتى تفسير يقتصر على المحكمة وحدها، دون أي جهة أخرى في الدولة.

وتوالت قرارات تعكس القدر نفسه من الافتقار إلى البرنامج الواضح والمحدد والحنكة في التعامل مع المواقف، فمن ذا الذي يمكنه أن ينسى أن مشكلات ومطالب الفئات المختلفة، التي يقتضي التعامل معها برنامجاً اقتصادياً، اجتماعياً متكاملًا يقع في صميم التخطيط للمستقبل قوبلت بالقرار الشهير المتعلق بـ«ديوان المظالم»؟

هذه البدايات وصلت إلى ذروتها في قرار اختيار الدكتور هشام قنديل لرئاسة الحكومة المصرية الجديدة، والرجل جدير بالتقدير بالفعل، باعتباره أحد الخبراء البارزين في مجال الري والموارد المائية، ولكن المشكلة هي أنه تم الدفع به لتولي منصب يقتضي في المقام الأول خبرة لا يستهان بها في التخطيط الاقتصادي والمالي.

وفي إطار هذا المسلسل، يلاحظ الكثيرون أن مؤسسة الرئاسة المصرية بدلا من أن تتجه إلى التعامل مع الإطار الكلي، مع الصورة الكبيرة، إن شئت، وهي المتعلقة بالتخطيط للمسار الاقتصادي والاجتماعي، فإنها تنصرف إلى الاهتمام بقضايا فرعية، تظل على الرغم من ضغطها على أعصاب الشارع المصري تدور في دائرة الجزئيات، وليس القضايا الكلية المتعلقة بالمصير وبالمستقبل.

لا شك في أن قضايا من قبيل حل مشكلة المرور والتخلص من القمامة في المدن الكبرى والتغلب على أزمة الوقود هي قضايا جديرة بالمعالجة، ولكن أين هي من قضايا مصيرية كالوضع الأمني في البلاد، وإعادة دوران دولاب الإنتاج في الاقتصاد المصري من جديد؟

إن النظرة الأولى إلى قرارات البداية توحي بأننا أمام ما يمكن أن نصفه بالهرم المقلوب. وربما كان من البديهي أن يكون القرار المطلوب بصورة فورية هو إعادة هذا الهرم المقلوب إلى وضعه الصحيح. أليس كذلك؟